دروس شرح كتاب التوحيد فضيلة الشيخ/ عبد الرزاق بن عبد المحسن العباد البدر

الرئيسيةأحدث الصورالتسجيلدخول
 
دروس شرح كتاب التوحيد فضيلة الشيخ/ عبد الرزاق بن عبد المحسن العباد البدر
المواضيع الجديدة منذ آخر زيارة لياستعراض مشاركاتكمواضيع لم يتم الرد عليهاأفضل مواضيع اليومافضل اعضاء اليومافضل 20 عضو
 
دروس شرح كتاب التوحيد فضيلة الشيخ/ عبد الرزاق بن عبد المحسن العباد البدر Empty

شاطر | 
 

 دروس شرح كتاب التوحيد فضيلة الشيخ/ عبد الرزاق بن عبد المحسن العباد البدر

استعرض الموضوع التالي استعرض الموضوع السابق اذهب الى الأسفل 
El Helalya
المؤسسة

المؤسسة
El Helalya


المشاركات :
22515


تاريخ التسجيل :
08/08/2008


الجنس :
انثى

البلد :
مصر

sms :
سبحان الله

ـــــــــــ


ــــــــــــــ


دروس شرح كتاب التوحيد فضيلة الشيخ/ عبد الرزاق بن عبد المحسن العباد البدر _
مُساهمةموضوع: دروس شرح كتاب التوحيد فضيلة الشيخ/ عبد الرزاق بن عبد المحسن العباد البدر   دروس شرح كتاب التوحيد فضيلة الشيخ/ عبد الرزاق بن عبد المحسن العباد البدر Emptyالخميس 19 أغسطس 2010 - 18:36 



أولًا بالمقدمة الأولى عن أهمية دراسة التوحيد.

ولا شك -أيها الإخوة- أن معرفة أهمية الشيء بين يدي دراسته من أهم ما يكون؛
لأن هذا يعتبر ويعد داعما للدارس والمتفقه والمتعلم إلى مزيد الاهتمام
ومزيد العناية بهذا العلم الذي هو بصدد دراسة.

وعلم التوحيد، هذا العلم الذي المبارك الشريف العظيم -هو أجل العلوم على
الإطلاق، وأفضلها على الإطلاق، فليس في العلوم علم أجل من هذا العلم
المبارك، علم التوحيد؛ ذلك أن التوحيد هو أجل الغايات، وأعظم المطالب،
وأنبل الأهداف، وليس في الغايات كلها ولا في المطالب جميعها ولا الغايات
كلها شيء أجل من توحيد الله -سبحانه وتعالى- والله -جل وعلا- إنما أوجدنا
وخلقنا لتوحيده كما قال -سبحانه وتعالى- ﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ
وَالإِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ ﴿56﴾﴾ [الذاريات: 56] وأرسل الرسل
لتوحيده، وأنزل الكتب لتوحيده، فالتوحيد هو الغاية لخلق الناس وإيجاد
المخلوقات.
وإذا كان أمر التوحيد كذلك فإن الواجب على كل مسلم ومسلمة أن يكون اهتمامه
بالتوحيد مقدما على اهتمامه بأي أمر آخر، وأن تكون عنايته بالتوحيد مقدمة
على العناية بأي أمر آخر، وكيف لا يكون اهتمامنا به مقدما على كل أمر ونحن
إنما خلقنا لأجله وأوجدنا لتحقيقه؟

وسيأتي معنا عند المصنف -رحمه الله- باب خاص بفضائل
التوحيد وآثاره العظيمة الدالة على أهميته العظيمة ومكانته الرفيعة.


والتوحيد هو أجل المطالب على الإطلاق وأفضلها، وليس في المطالب مطلب أجل
منه، وسيأتي معنا في فقرة خاصة ومقدمة أخرى ذكر شيء من فضائل التوحيد
الدالة على أهميته وعظم شأنه.

وأما التوحيد -معاشر الإخوة الكرام- وهذه هي
المقدمة الثانية أما التوحيد فحقيقته إفراد الله -سبحانه وتعالى- بخصائصه،
حقيقته إفراد الله بخصائصه. وهذه الكلمة كلمة عربية، وواضحة المعنى، جميلة
المبنى، جليلة الدلالة؛ بل هي دالة على أعظم المقاصد وأجل الغايات، يقال:
وحد يوحد توحيدا، والتوحيد هو الإفراد، التوحيد هو الإفراد، وتوحيد الله
-سبحانه وتعالى- هو إفراده، إفراده بخصائصه سبحانه، خصائصه -جل وعلا- في
ربوبيته، وخصائصه -جل وعلا- في أسمائه وصفاته، وخصائصه -جل وعلا- في
ألوهيته.


ودين الإسلام سمي توحيدا لأن مبناه على الإيمان بوحدانية الله -سبحانه
وتعالى- في ربوبيته وأسمائه وصفاته وألوهيته؛ ولأجل هذا قال أهل العلم أخذا
من كتاب الله وسنة نبيه -صلى الله عليه وسلم- واستقراءً لأدلة الكتاب
والسنة -قال أهل العلم: أن التوحيد الذي خلقنا لأجله وأوجدنا لتحقيقة ينقسم
إلى أقسام ثلاثة، أو هو ثلاثة أنواع: توحيد الربوبية وتوحيد الأسماء
والصفات وتوحيد الألوهية فهذه أقسام التوحيد الثلاثة، ولا يكون العبد مؤمنا
بالله، ولا موحدًا له -سبحانه وتعالى- إلا إذا وحده في ربوبيته -جل وعلا-
وفي أسمائه وصفاته وفي ألوهيته.

وتوحيد الله في ربوبيته -وهو النوع الأول من أنواع
التوحيد-


هو الإيمان بوحدانية الله -سبحانه وتعالى- في ربوبيته، أو الإيمان بوحدانية
الله -سبحانه وتعالى- بأفعاله كالخلق والرزق والإحياء والإماته والتصرف
والتدبير وغير ذلك من معاني الربوبية.

وتوحيد الله في هذه الأمور أن نؤمن بها، وأن نثبتها لله -سبحانه وتعالى-
وأن نقر بها، وأن نجعلها أو نجعل إيماننا بها إيمانا خاصًا بالرب العظيم،
فلا يضاف شيء منها لغيره، ولا يسند شيء منها لسواه، وإنما هي خصائص لله
-سبحانه وتعالى- تفرد بها، تفرد وحده بالخلق، وتفرد وحده بالرزق، وتفرد
وحده بالإحياء، وتفرد وحده بالتدبير لا شريك له -سبحانه وتعالى- في شيء من
ذلك.

ولنلاحظ هنا أن توحيدنا لله في الربوبية أو في بقية أنواع التوحيد لابد فيه
من إثبات ونفي، إثبات الأمر الموحد الله -جل وعلا- به له سبحانه ونفيه عمن
سواه، فلا توحيد إلا بالأمرين معًا.

فإذن توحيدنا لله -سبحانه وتعالى- في ربوبيته أن نثبت له خصائص الربوبية
وأن ننفيها عمن سواه، فهو الخالق لا خالق سواه، الرازق لا رازق سواه،
المدبر لا مدبر سواه، لا نكون مؤمنين بهذا التوحيد إلا بالإثبات والنفي،
إثبات خصائص الله -جل وعلا- له ونفيها عمن سواه، هذا توحيد الربوبية.

وتوحيد الأسماء والصفات هو إيماننا بأسماء الله -سبحانه
وتعالى-


وصفاته الثابتة له في كتابه وسنة نبيه -صلى الله عليه وسلم- نثبتها له -جل
وعلا- إثباتا خاصًا به لائقا بجلاله وكماله مع التنزيه له -سبحانه وتعالى-
عن مماثلة المخلوقات كما قال -عز وجل- ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ
السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ﴾ [الشورى: 11] وسيأتي إن شاء الله وبتوفيق منه
-سبحانه وتعالى- بيان مفصل بعض الشيء لما يتعلق بذلك عند وروده عند مصنف
الكتاب الذي نحن بدراسته.

أما توحيد الألوهية

وهو النوع الثالث:

فهو أعظم أنواع التوحيد وأجلها، أما النوع الثالث من أنواع التوحيد فهو
توحيد الألوهية وهو متضمن لأنواع التوحيد التي مرت معنا، وتوحيد الله في
ألوهيته أن نخلص العبادة له وأن نفرده -سبحانه وتعالى- وحده بالطاعة، وأن
نعبده ولا نعبد أحدًا سواه، وتوحيد الألوهية هو تحقيق كلمة التوحيد "لا إله
إلا الله" لأن هذه الكلمة تعني إفراد الله -سبحانه وتعالى- بالعبادة
ونفيها عمن سواه "لا إله إلا الله" كما مر معنى قبل قليل لابد في التوحيد
من إثبات ونفي، لا يكفي في التوحيد الإثبات وحده، ولا يكفي في التوحيد
النفي وحده، ولنتأمل هذا وسيأتي له مزيد تفصيل.

يسمى توحيد ماذا يا شيخ؟ يسمى توحيد العبادة؟

يسمى توحيد العبادة، ويسمى توحيد الألوهية، ويسمى توحيد الإرادة والطلب،
ويسمى توحيد القصد، ويسمى التوحيد العملي، فهذه أسماء متعددة لهذا التوحيد
باعتبار الأوساط المتعلقة به، فهو يسمى توحيد العبادة لأن هذا التوحيد هو
إفراد لله -سبحانه وتعالى- بالعبادة ونفي لها عمن سواه، ويسمى توحيد
الألوهية والإلهية لأنه مبني على التأله وهو التعبد، يقال: أله يأله إلهة
وتألهًا، أي: تعبد، ومنه قول الشاعر:


لله در الغانيات المدهي *** سبحن واسترجعن من تألهي

أي: من تعبدي لله.

فإذن هذا توحيد الألوهية. ويقال له أيضًا توحيد العبادة، ويقال له توحيد
القصد، ويقال له توحيد الإرادة، ويقال له التوحيد العملي.

ونلاحظ هنا هذا التوحيد يقال له التوحيد العملي، بينما النوعين السابقين
يقال لهما التوحيد العلمي؛ ولأجل هذا يقول أهل العلم التوحيد ينقسم إلى
قسمين:

توحيد علمي، وتوحيد عملي.

التوحيد العلمي يدخل تحته نوعا التوحيد: توحيد الربوبية وتوحيد الأسماء
والصفات؛ لأن المطلوبة في كل منهما هو العلم.

والتوحيد العملي يشمل توحيد الألوهية؛ لأن المطلوب فيه العمل الذي هو إفراد
الله -سبحانه وتعالى- وحده بالعبادة.

فهذا بشكل مختصر وموجز لهذه المقدمة التي تتعلق بحقيقة التوحيد.

نأتي الآن إلى المقدمة الثالثة، وأأكد على أهميتها قبل الحديث عنها، وهي
واجبنا نحو التوحيد

ما الذي يجب علينا نحو التوحيد؟ إذا عرفنا أن التوحيد هو أعظم الأمور
وأجلها وأهم المطالب وأعظمها إذا عرفنا ذلك ما الواجب علينا نحوه؟

أطرح هذا التساؤل على كل واحد يستمع إلى هذا اللقاء ويشارك معنا في هذا
الموضوع المهم، التوحيد ما الواجب علينا نحوه؟ هذا سؤال مهم وعظيم للغاية
ما واجبنا نحو التوحيد؟

نحن عرفنا -معاشر الإخوة الكرام- أن التوحيد أهم مطلب وأجل غاية فما الذي
يجب علينا نحوه، ما هي الأمور التي يجب علينا نحوه؟

هذا السؤال عظيم وكبير ومهم جدًا، وأقول جوابًا على هذا السؤال أن الواجب
علينا نحو هذا التوحيد الذي خلقنا لأجله؛ بل الواجب علينا نحو كل أمر أمرنا
الله -سبحانه وتعالى- به -سبعة أمور، وآمل من الجميع أن يضبطوها واحدًا
واحدًا، وسأتحدث عنها بلا إطالة تداركا أو كسبا للوقت.

أولًا: الواجب الأول:

أن نتعلمه، أي أمر أمرنا الله به وأعظم الأوامر هو توحيد الله، أمرنا الله
بالتوحيد، وأمرنا بالصلاة، وأمرنا بالصيام، أمرنا بالزكاة، أمرنا ببر
الوالدين إلى غير ذلك من الأوامر، أول واجب علينا نحوه أن نتعلمه، وهذه هي
البداية ويُبدأ بالعلم والتعلم قبل كل شيء كما قال الله –تعالى- : ﴿
فَاعْلَمْ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ ﴾
[محمد: 19] فبدأ بالعلم قبل القول والعمل، وقد كان نبينا -عليه الصلاة
والسلام- كما في حديث أم سلمة في مسند الإمام أحمد وسنن ابن ماجه: (كان كل
يوم يقول بعد صلاة الصبح: اللهم إني أسألك علمًا نافعا، ورزقا طيبًا، وعملا
متقبل) هذه دعوة كان يدعو بها نبينا -صلوات الله وسلامه عليه- كل يوم.

وهذه الدعوة -لو تأملت- هي في الحقيقة إضافة إلى كونها دعوة واستعانة بالله
-هي في الحقيقة تحديد لأهداف المسلم في يومه، تحديد لأهداف المسلم في
يومه، أنا تأملت في هذا الأمر، ونظرت في هذا الحديث لما تتأمل تجد أن
المسلم ليس له في يومه إلا هذه الثلاثة أهداف لا يخرج عنها، أبدًا أهداف
المسلم في يومه هي هذه الأهداف الثلاثة، أنا أسألكم الآن هل يحضركم هدف
ثالث للمسلم في يومه خارج عن هذه الثلاثة؟

فهذه الأهداف الثلاثة هي أهداف المسلم في يومه، العلم النافع، الرزق الطيب،
العمل الصالح وكان -عليه الصلاة والسلام- يوميا إذا صلى الصبح بعد أن يسلم
-كما تقول أم سلمة- يدعو بهذه الدعوة، بماذا بدأ؟ بالعلم، وهذا يدلنا على
أن أولى أولويات المسلم وفي مقدمة اهتمامه في يومه؛ بل في كل أيامه البدء
بالعلم.

العلم قبل العمل، وقبل القول، وقبل الكسب؛ لأنه لا يمكن أن تأتي بالعمل
الصالح ولا بالقول السديد ولا بالكسب الطيب إلا إذا كان عندك علم، إذا لم
يكن عندك علم لا تستطيع أن تميز بين عمل صالح وغير صالح، ولا بين قول سديد
وغير سديد، ولا بين رزق طيب أو رزق خبيث، فالعلم هو الذي يميز للإنسان
الخبيث من الطيب، والحق من الضلال والباطل.

إذن أول ما نبدأ فأول واجب علينا نحو التوحيد أو نتعلمه، وهذا أمر الله لنا
في القرآن: قال: ﴿ فَاعْلَمْ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ ﴾ [محمد:
19] هذا أمر بتعلم التوحيد ﴿ فَاعْلَمْ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ ﴾
[محمد: 19] وإذا نظرت إلى واقع كثير من الناس تجد أنهم في غفلة عن تعلم
التوحيد، في غفلة عن تعلم التوحيد وعن الاهتمام به والعناية به، ربما أن
بعض الناس يهتم بأمر من الأمور يتعلمه ويتفقه فيه ويبرع فيه، ويشار إليه
فيه بالبنان ولم يعطِ التوحيد من لحظاته ولا قليلا من أجل أن يتعلمه!! هذه
مصيبة؛ لأن الله -عز وجل- خلقك لهذا التوحيد، ثم تبرع في أمورٍ وأنت غافل
عن التوحيد الذي خلقك الله لأجله لا تتعلمه ولا تسأل عنه، ولا تبحث عنه ولا
تتفقه فيه!! فهذه مصيبة عظيمة.

إذن أول واجب نحو التوحيد أن نتعلمه كما أمرنا الله -سبحانه وتعالى- فقال: ﴿
فَاعْلَمْ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ ﴾ [محمد: 19] هذا الواجب
الأول، وهذا الكتاب الذي بين أيدينا هو في الحقيقة خدمة لكل مسلم، وتيسير
لكل مسلم، وإعانة لكل مسلم أن يتعلم التوحيد واضحًا بينًا، مدعمًا بالأدلة
والشواهد من كتاب الله وسنة رسوله -صلوات الله وسلامه عليه- ولعل هذا أيضًا
يتضمن دعوة للمواصلة والاهتمام في الدراسة والتعلم والعناية بهذا العلم
المبارك، وألا يستمر الإنسان في غفلة إلى أن يدهمه الموت، وينتقل من هذه
الحياة وقد خرج -والعياذ بالله- خرج من الحياة ولم يعرف أغلى شيء فيها،
يكون خرج من الحياة، ودع هذه الحياة الدنيا وأغلى شيء في هذه الحياة هو
توحيد الله ما تعلمه، وهذه أكبر المصائب، أكبر المصائب أن يودع الإنسان
الحياة الدنيا، ويغادر هذه الحياة، وأغلى شيء في هذه الحياة، أنا لا أعلم
شيء في هذه الحياة أغلى من التوحيد الذي خلقنا -جل وعلا- لأجله وأوجدنا
لتحقيقه، هذا الواجب الأول.

الواجب الثاني:

أن نحبه، أن نحب الذي أمرنا الله به، وأعظم الأوامر التوحيد، فالسبع نقاط
التي أتحدث عنها هي لا تختص بالتوحيد، فكل أمر أمرنا الله -سبحانه وتعالى-
به يجب علينا نحوه سبعة أمور، والتوحيد هو أعظم أمر، التوحيد هو أعظم أمر
أمرنا الله -سبحانه وتعالى- به.

إذن الأمر الأول: أن نتعلمه، الأمر الثاني: أن نحبه.

فكل شيء يأمرك الله به، وأعظم شيء أمرك الله -سبحانه وتعالى- به هو
التوحيد، فكل شيء أمرك الله به تحبه، وتجاهد نفسك، وتجاهد قلبك على إمارته
بمحبة ما أمرك الله به، والله لا يأمرك إلا بما فيه سعادتك وصلاحك ورفعتك
في الدنيا والآخرة.

فكيف لا يجب الإنسان ما فيه سعادته؟ ما فيه صلاحه؟ وانظر اللفتة الكريمة في
دعوة النبي -صلى الله عليه وسلم- للتوحيد عندما كان يمشي في فجاج مكة
وينادي: (قولوا لا إله إلا الله تفلحو) يعني: فلاحكم في هذا التوحيد،
سعادتكم في هذا التوحيد، رفعتكم في الدنيا والآخرة في هذا التوحيد.

فإذن هذا الأمر الذي فلاحنا وسعادتنا ورفعتنا في الدنيا والآخرة علمناه،
وعلمنا أمر الله لنا به، وعلمنا أيضًا فضله ومكانته نحبه ونعمر قلوبنا
بمحبته، وأوثق عرى الإيمان الحب في الله، تحب الله، وتحب أنبياءه، وتحب
دينه، وتحب ما أمرك -سبحانه وتعالى- به، ولا تجد في قلبك حرجا؛ لأن هذا خير
لك ورفعة وسعادة في الدنيا والآخرة.

حتى لو ظهر في ظاهره المشقة والتعب

النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (حفت الجنة بالمكاره) حتى لو كان الأمر
شاقا فعلًا، يعني: الصلاة الآن، الصلاة عندما ينادي المنادي لصلاة الفجر:
حي على الصلاة، والجو شاتٍ، والماء بارد أحبب ذلك، وادخل وأنت فرح محب
مغتبط؛ لأن هذا أمر لك فيه فلاحك فيه سعادتك، أليس المنادي للصلاة في كل
الصلاة يقول: حي على الفلاح؟ لأنه فلاحك، إذن كيف لا تحب ما فيه فلاحك؟ كيف
لا يحب الإنسان ما فيه فلاحه؟ ما فيه سعادته؟ إذن هذا الواجب الثاني أن
نحب ما أمرنا الله -سبحانه وتعالى- وأعظم الأوامر التوحيد فنحب التوحيد.

بعض الناس -ولابد أن نشير لهذا- بسبب الأهواء، بسبب دعاة الباطل، بسبب
إثارة الشبهات -تجد نفسه قد تنقبض من التوحيد أو تنقبض من أوامر الله
-سبحانه وتعالى- بسبب ما اكتنفه هو من شبهات. إذن الواجب أن أطرح كل شيء
وكل أمر يخالف ما أمرني الله -جل وعلا- ولا أجد وحشة، ولا أجد حزازة لأنني
إن نميت في نفسي هذه الوحشة وهذه الحزازة أو نحو ذلك سأجد قلبي منقبضا عن
أبواب الخير وأبواب السعادة مثل ما قال الله -عز وجل- عن الكفار -والعياذ
بالله- أنه عند ذكر التوحيد تشمئذ قلوبهم: ﴿ وَإِذَا ذُكِرَ اللهُ وَحْدَهُ
اشْمَأَزَّتْ ﴾ [الزمرك 45] القلب يجب أن يحبه، فقلب هذا المريض يشمئذ،
فالإنسان لا، بل ينشرح ويفرح ويغتبط ويحب ويقبل على أمر الله -جل وعلا- له.

نأتي الآن إلى الأمر الثالث:

الأمر الثالث علمنا وأحببنا نعزم في قلوبنا على فعله، والعزم هو حركة في
القلب لفعل هذا الشيء.

إذن أنا أتعلمه، أول ما أبدأ أتعلمه، ثم أحبه، ثم أجعل في قلبي حركة وإرادة
وعزم، أعقد العزم في قلبي على فعل هذا الأمر.

هنا لما يأتي الإنسان ليدخل في التوحيد وقد كان ضالا عنه ومنحرفا وربما كان
في عبادات باطلة وفي أهواء منحرفة عندما يحب هذا الأمر بسماعه لحديث عنه
وبيان لفضائله ويتحرك قلبه عزما على فعله -يأتيه في قلبه بسبب الحياة التي
عاشها والأهواء التي اكتنفته يأتيه في قلبه خوف من التغير، يقول: أنا الآن
إذا عزمت على فعل هذا الأمر قد تتغير دنياي، ويتردد، قد أفقد كذا، قد
تصيبني هذه التي أنا متعلق بها وارتبطت بعبادتها وسؤالها والخضوع لها، قد
تصيبني بشيء، أرأيت الآن ماذا قال الكفار ﴿ إِن نَّقُولُ إِلاَّ اعْتَرَاكَ
بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ ﴾ [هود: 54] يعني يقول: أخشى إن عزمت الآن
فتتغير حياتي.

ربما الشيطان يأتيه ببعض الأشياء وبعض الأمور التي تجعله ينهزم وربما ينكص،
تجده -سبحانه وتعالى- علم وأحب وعزم على الفعل ثم انفرط منه الأمر وذهب
ذلك العزم بسبب ما احتوى أو اكتنف قلبه من أمور ردته عنه.

إذن يعزم الإنسان، علمته وأحببته اعزم لا تتردد، لماذا تتردد؟ ولماذا تفكر
في هذا وذاك؟ هذا أمر علمته وأحببته وعرفت صحته وسلامته لماذا تتردد؟ اعزم
وتوكل على الله -سبحانه وتعالى- إذن هذا الأمر الثالث.

الأمر الرابع: العمل:

علمت وأحبتت وعزمت في قلبي على فعله اعمل، أبدأ أعمل بالتوحيد، أخلص الدين
لله، أفرد الله -سبحانه وتعالى- بالعبادة، أخصه -جل وعلا- بالطاعة، لا أدعو
غيره، لا أسأل غيره، لا أستغيث بغيره، لا أصرف شيئا من عباده لغيره، أجعل
العبادة خالصة له -جل وعلا- وحده لا شريك له في شيء منها، وأوحده في
ربوبيته وفي أسمائه وفي صفاته، وأعمل بالتوحيد، وأقبل على أمور التوحيد
وتفاصيل التوحيد وأفراد العبادة وأعمل بها طاعة لله -سبحانه وتعالى- مقبلا
عليه -جل وعلا- إذن هذا الأمر الرابع الذي هو العمل.

لاحظ هنا أن بعض الناس قد يحب، قد يعلم، وقد يحب ويعزم، ثم لما يأتي للأمر
الرابع وهو العمل يقول: ماذا يقول عني الشيخ الفلاني؟ ماذا يقول عني الناس
لو رأوني مثلًا تركت كذا؟ فتجده يمتنع بعد أن أحب وعلم وعزم. لاحظ هذه
المقدمات المهمة التي وجدت فيه، ثم يأتي إلى مرحلة العمل، هو يريد أن يعمل
وربما يبدأ فعلًا بالعمل ثم يتوقف يقول: ماذا يقول عني الناس؟ وتجده يمتنع
ويقول: لا أنا على طريقة أشياخي، أنا على طريقة مثلًا أهل بلدي، أنا على
الشيء الذي نشأت عليه. الآن أنا أسمع وربما سمعت أيضًا بعض الذين يدعون إلى
الإسلام تجده يعرف بالإسلام ويقتنع إنه صحيح، ثم يقولون له أسلم يقول:
ماذا أقول لمن حولي؟ ماذا أقول لأهلي، لأولادي، لجماعتي؟ أنا أخاف منهم،
يقول أنا مقتنع.

اليوم أحد الأشخاص حدثني بمثل هذا وسمعت مثل هذا كثيرا، اقتنع شخص عنده
بالإسلام وعرف إنه الدين الصحيح لكنه يقول: ما موقفي؟ فتجده يمتنع عن العمل
بعد أن علم، وبعد أن أحب، وبعد أن عزم. تحركت إرادة العزم ثم يمتنع!! هذه
عقبة أمامه -نسأل الله العافية- فيمتنع عن العمل، يخاف أن يطلع عليه من
يعظمه، يخاف!!

وانتبهوا لهذه الكلمة، يخاف أن يطلع عليه من يعظمه من الناس لكن رب
العالمين أحق بالتعظيم، رب العالمين الذي خلقك وأوجدك تخشى الناس ولا
تخشاه!! تراقب الناس ولا تراقبه!! تخاف الناس ولا تخافه!! هذه بلية عظيمة،
إذن نأخذها متدرجين علمنا وأحببنا وعزمنا وعملنا هذه الرابعة.

نأتي للخامسة أن نوقع العمل خالصا صوابا، ليس كل عمل
يصلح أو يناسب، وإنما العمل الذي هو العمل الصالح المقبول عند الله ما كان
خالصا صوابا
.

إذن نوقع العمل خالصا لله، وصوابا على منهج رسول الله -صلى الله عليه وسلم-
قال تعالى: ﴿ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا ﴾ [الملك: 2] قال
الفضيل -رحمه الله- في معنى هذه الآية: أخلصه وأصوبه، قيل يا أبا علي، وما
أخلصه وأصوبه؟ قال: إن العمل لا يقبل حتى يكون خالصا صوابا، لا يقبل حتى
يكون خالصا صوابا، والخالص ما كان لله، والصواب ما كان على السنة، فنوقع
العمل خالصا لله وصوابا على السنة.

لاحظ هنا أيضًا في الأوامر عمومًا حسب التدريج الذي مشينا عليه أنه قد يأتي
الإنسان بالمراتب الأربعة ثم يأتي للناحية العملية فيعمل بأمور أيضًا هذه
الأمور يجعلها خالصة لله لكنها ليست على شرعه، يعني: مثلًا إنسان يذكر الله
-جل وعلا- بأذكار مبتدعة وأدعية محدثة، ليس فيها شرك، وليس فيها مخالفة
للإخلاص لكن فيها مخالفة للسنة والمتابعة للرسول -عليه الصلاة والسلام- إذن
إذا علمنا وأحببنا وعزمنا وعملنا نوقع العمل خالصا صوابا.

نأتي إلى الأمر السادس:

وهو أن نحذر من محبطاته، جئنا بهذه المراتب نحذر من محبطات التوحيد
ومبطلاته، وأيضًا نحذر من الأشياء التي تنقصه، وتنقص كماله؛ ولهذا فالتوحيد
له نواقض وله نواقص، له نواقض تفسده تمامًا وتجتثه من أصله، تذهبه من
أصله، وله نواقص تنقص كماله الواجب، وكتاب التوحيد الذي نحن بصدد دراسة بين
فيه مؤلفه رحمة الله عليه التوحيد بأدلته، وبين فضله وبين حقيقته، ثم
أيضًا عرج على ذكر النواقض والنواقص، لماذا؟ حتى نحذر منها.

إذن نحن مُطالَبٌ منا جهة الأمر إذا أتينا بالأمور السابقة الخمسة -أن نحذر
من أي شيء يبطلها، يأتي هنا سؤال أطرحه وأجيب عنه إجمالا، وسيأتي عنه
الجواب المفصل فيما بعد كيف نحذر مما يحبطه؟ نحن الآن نتحدث عن التوحيد كيف
نحذر مما يحبط التوحيد؟ عرفنا أن التوحيد له محبطات، له نواقض وله نواقص،
ولا يتسنى لأحد أن يحذر منها إلا إذا عرفها وإلا كما قال قديمًا أحد السلف:
«كيف يتقي من لا يدري ما يتقي» وكثير من الناس يبتلى بأمور يفعلها تنقض
توحيده أو تنقص توحيده وهو لا يعلم، وربما أدخلت عليه بمسميات صحيحة لكن
سمو له الشيء بغير اسمه، مثل يسمون بعض الشركيات توسل، أو يسمونها شفاعة أو
يسمونها بأشياء أخرى فتجده يفعل الشرك الصراح، وإذا قلت له ماذا تفعل؟
يقول: أتوسل أو أستشفع أو نحو ذلك فالمسميات لا تغير الحقائق.

إذن نحذر المبطلات، وسياتي في هذا الكتاب بيان لمبطلات التوحيد وأيضًا
للأمور التي تنقص التوحيد، وهذا من الأهمية بمكان لأنْ يتعلمه المسلم حتى
يحذر منه.

إذن نحن مطالب من كل مسلم أن يعرف الشرك لماذا؟

حتى يحذر منه ويتجنبه

يقول القائل: "تعلم الشر لا للشر، ولكن لتوقيه فإن من لم يعرف الشر من
الناس يقع فيه" يقول حذيفة بن اليمان كما في صحيح البخاري: (كان أصحاب رسول
الله -صلى الله عليه وسلم- يسألونه عن الخير وكنت أسأله عن الشر مخافته)
وكثير من الناس يبتلى بالوقوع في بعض النواقض أو النواقص لتوحيده بسبب جهله
وعدم تعلمه، إذن هذا الأمر السادس أن نحذر من المبطلات.

السابع والأخير:

هو الثبات على هذه الأمور والاستقامة عليها إلى الممات: ﴿ وَاعْبُدْ
رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ ﴿99﴾﴾ [الحجر: 99] يعني: حتى يأتيك
الموت، فتثبت على هذا الأمر، والله -عز وجل- لما ذكر آية التوحيد في ذلك
المثل العجيب في سورة إبراهيم ذكر عقبه أمر الثبات ﴿ أَلَمْ تَرَ كَيْفَ
ضَرَبَ اللهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً ﴾ هذه كلمة التوحيد ﴿كَلِمَةً
طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي
السَّمَاءِ ﴿24﴾ تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا
وَيَضْرِبُ اللهُ الأمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ﴿25﴾
وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِن فَوْقِ
الأَرْضِ مَا لَهَا مِن قَرَارٍ ﴿26﴾ يُثَبِّتُ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا
بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآَخِرَةِ
وَيُضِلُّ اللهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللهُ مَا يَشَاءُ ﴿27﴾﴾
[إبراهيم: 24- 27] فيثبت الإنسان ويستقيم على الأمر ﴿ إِنَّ الَّذِينَ
قَالُوا رَبُّنَا اللهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ
هُمْ يَحْزَنُونَ ﴿13﴾﴾ [الأحقاف: 13] ﴿ إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا
اللهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلاَئِكَةُ ﴾ [فصلت:
30] آيتان في كتاب الله، والرجل في حديث سفيان بن عبد الله الثقفي الذي قال
للرسول -عليه الصلاة والسلام- : (قل لي في الإسلام قولًا لا أسأل عنه
أحدًا غيرك، قال: قل آمنت بالله ثم استقم) فيستقيم الإنسان على هذا الأمر
إلى أن يتوفاه الله.

إذن هذه الأمور السبعة هي في غاية الأهمية، في غاية الأهمية، وأعيد ثانية
ليست هذه الأمور السبعة خاصة بالتوحيد؛ بل هي تتعلق بكل أمر أمرنا الله به؛
الصلاة الصيام الحج الزكاة، أي أمر أمرنا الله -سبحانه وتعالى- به يجب
علينا نحوه هذه الأمور السبعة.

طيب النواهي التي نهانا الله -سبحانه وتعالى- عنها ما واجبنا نحوها؟ نهانا
عن الشرك، نهانا عن السرقة، نهانا عن الغش، نهانا عن الربا، نهانا عن أمور
كثيرة، ما واجبنا نحو هذه النواهي؟ نحن الآن عرفنا واجبنا نحو الأوامر فما
واجبنا نحو النواهي؟

الأمور السبعة نفسها أليست هي واجبنا نحو أيضًا النواهي؟


أن نعلمها ونتركه


نعم، هذه الأمور السبعة هي أيضًا واجبنا نحو النواهي، ولعل هذا أتركه يتأمل
فيه الإخوة جميعًا، ونستذكره في حلقتنا القادمة إن شاء الله، وهو السؤال
ما واجبنا نحو ما نهانا الله عنه؟ نهانا عن الشرك، ونهانا عن السرقة، نهانا
عن الزنا، نهانا عن العقوق، نهانا عن... إلى آخره، إلى آخر النواهي.

إذن يا شيخ، هذه السبعة واجبنا نحو التوحيد ونحو كل أمر أمرنا الله به؟
سؤال ما واجبنا نحو ما نهانا الله عنه؟

أيضًا أنا أجبت، واجبنا نحو النواهي هو نفسه، لكن كيف يعرض الإخوة هذه
السبعة نقاط نحو ما نهانا الله؟ وليكن نهي الله لنا عن الشرك ما واجبنا
نحوه؟ الآن لما تأتي الأمر الأول أن نتعلمه، مطلوب منا أن نتعلم الشرك أو
ليس مطلوبًا؟ مطلوب، مثل ما عرفنا قبل قليل كيف يتقي من لا يدري ما يتقي؟
نتعلم الشرك لكي نتقيه.

الأمر الثاني:

المحبة، نحب ماذا؟ نحب النهي لا نحب المنهي عنه، النهي، الآن لما ينهاك
الله عن الحرام النهي نفسه من الأوامر ومن التكاليف الله -عز وجل- كلفك أن
تبتعد عن هذا الأمر، فأنت تحب نهي الله كما تحب أمر الله، تحب ما أمرك الله
به كما أنه أيضًا تحب نهي الله، فأنت تحب نهي الله، إذا أحببت نهي الله ما
تجد في قلبك حرجا من ترك ما نهى الله عنه لأنك تحب نهي الله لأنه هو
خالقك، يأمرك بما يشاء وينهاك عما يشاء، فأنت تحب الأمر وتحب النهي، وفي
الأوامر تحب المأمور به وفي النواهي تبغض المنهي عنه؛ لأن المنهي عنه هذا
أمر بغيض، أمر مكروه، أمر سيء، أمر قبيح نهاك الله عنه.

أذكر وهذه فائدة عرضية، أذكر قديمًا أحد الطلاب يدرس في المرحلة المتوسطة
ويحفظ كتاب الله وهو في السنة الأولى، هذا الكلام له أكثر من ست عشرة سنة
أو سبع عشرة سنة، أذكر أنه وكنت أدرس له جاءني مرة بمذكرة تزيد على المائتي
صفحة ربما أنه يسمعني الآن ما أدري، معه مذكرة في مائتي صفحة أو أكثر
وعنوانها الأوامر والنواهي طالب الشئون المتوسطة وغير المتوسطة، عنوانها
الأوامر والنواهي، وجامع فيها الأوامر التي في القرآن مرتبة التوحيد
والصلاة والصيام، وكل أمر تحته آية أو آيتين، وناقل كلام ابن كثير وابن
السعدي في معناه، ثم ينتقل للنواهي الشرك الزنى وكلها يجمعها، لما أعطاني
الكتاب قلت له ما هذا؟ قال هذا جمعت فيه الأوامر والنواهي، قلت: الآن مبكر
عليك، الآن ليس هو وقتها، يعني: أنت الآن تتعلم. قال: لا، أنا لست هنا
مؤلفا، أنا -الحمد لله- أحفظ كتاب الله، ووجدت أن ربي أمرني بأوامر ونهاني
عن نواهٍ فأحببت أن أجمعها لنفسي وأتفقه فيها حتى أفعل الأوامر وأنتهي عن
النواهي، لكن أنا أسترشد منك هل طريقتي هذه مناسبة أو غير مناسبة؟ قلت له:
يا أخي، بارك الله فيك، هذه طريقة من أنسب ما يكون، و هذا الأخ، وهذا
الكلام الآن له قرابة السبع عشرة سنة تخرج .

شيخنا الكريم، إذن نحن الآن عرفنا أهمية التوحيد، وحقيقة التوحيد، وواجبنا
نحو التوحيد، بقي إن شاء الله تعالى بعد الفاصل أن نأخذ ثمرات التوحيد، وما
هي النقطة التي تليها إن شاء الله؟

توجد ثمرات التوحيد، وتوجد مسألة مهمة أيضًا هي مقدمة مهمة كان يحسن أن
أذكرها قبل وهي ما مصدر تلقي التوحيد؟

نحن وقفنا بعد حقيقة التوحيد عند عنصر مهم وهو مصدر التلقي للتوحيد

مصدر التلقي لهذا العلم العظيم علم التوحيد هو من الأمور المهمة التي يحسن
العناية بها بين يدي دراسة هذا العلم، من أين نتلقى التوحيد؟ من أين نأخذ
هذا العلم؟ ما مصدرنا في أخذ هذا العلم وتلقيه؟ هنا يجب أن نعلم -معاشر
الإخوة- أن الناس في تلقي عقائدهم وأديانهم وما يؤمنون به ينقسمون إلى
فريقين:

قسم يتلقى دينه وعقيدته وإيمانه من مصدرها الصحيح ومنبعها العذب الذي هو
وحي الله -جل وعلا- والقضية واضحة جدًا والأمر واضح، الله -جل وعلا- خلق
الخلق لعبادته وتوحيده والإيمان به وبما أمر -سبحانه وتعالى- عباده
بالإيمان به وأنزل في ذلك وحيه المبين، وكلامه الكريم، والرسل -عليهم صلوات
الله وسلامه- لما كانوا يبينون للناس الإيمان والتوحيد وتفاصيل الشرائع
-كانوا يبينون لهم ذلك بالوحي: ﴿ قُلْ إِنَّمَا أُنذِرُكُم بِالْوَحْيِ ﴾
[الأنبياء: 45] فإذن منبع التوحيد ومنبع الإيمان ومصدر التلقي للعقيدة هو
كتاب الله وسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم- نأخذ ديننا ونأخذ عقيدتنا ونأخذ
إيماننا وتوحيدنا من كتاب ربنا وسنة نبيه -عليه الصلاة والسلام- ولهذا مضت
الطريقة عند علماء السلف ومن اتبعهم بإحسان أن كل أمر من أمور العقيدة
مقرونا بدليله قال الله قال رسوله -صلى الله عليه وسلم- الاعتقاد، أمور
الاعتقاد وأمور الإيمان ليست لأحد من الناس كائنا من كان، ليس لأحد كائن من
كان أن ينشئ عقيدة من قبل نفسه، أو يخترع عقيدة أو يخترع إيمانا أو نحو
ذلك، هذه أمور لله -جل وعلا- هو الخالق وهو الذي يأمر عباده بما شاء
وينهاهم عما شاء فالأمر له -جل وعلا- من قبل ومن بعد، فالعقيدة والإيمان
إنما تتلقى من كتاب الله وسنة نبيه -عليه الصلاة والسلام-.

وفريق من الناس جعلوا لعقائدهم وإيمانهم وأديانهم مصادر أخرى للتلقي غير
الكتاب والسنة، فهناك من مصدره في عقيدة العقل، ومنهم من مصدره الرأي،
ومنهم من مصدره الذوق والوجد، ومنهم من مصدره التجارب ومنهم من مصدره القصص
والحكايات والمنامات، مصادر مختلفة لدى الناس في تلقي العقيدة، وكل من كان
مصدره في عقيدته وإيمانه غير الكتاب والسنة فهو منحرف؛ لأنه لا سبيل إلى
معرفة العقيدة الصحيحة والإيمان الصحيح إلا من خلال كتاب الله وسنة نبيه
-صلى الله عليه وسلم-.

ابن أبي العز الحنفي -رحمه الله- في شرح العقيدة الطحاوية قال كلمة جميلة
جدًا رائعة قال: «كيف يرام الوصول إلى علم الأصول بغير ما جاء به الرسول؟»
لا يمكن، يعني: كيف يمكن أن يعرف الإنسان الإيمان الصحيح من غير طريق
الرسول -عليه الصلاة والسلام- .

الله -جل وعلا- قال لرسوله -صلى الله عليه وسلم-: ﴿ وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا
إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلاَ
الإِيمَانُ وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَن نَّشَاءُ مِنْ
عِبَادِنَا ﴾ [الشورى: 52] فمعرفة الإيمان ومعرفة العقيدة ومعرفة التوحيد
لا تكون إلا من خلال كتاب الله وسنة نبيه -عليه الصلاة والسلام- في
الصحيحين قصة وفد عبد القيس عندما جاءوا للنبي -صلى الله عليه وسلم-:
(وقالوا: يا رسول الله، مرنا بقول نخبر به من ورائنا وندخل به الجنة؟ قال:
آمركم بالإيمان بالله، أتدرون ما الإيمان بالله؟) واضح السؤال (أتدرون ما
الإيمان بالله؟ قالوا: الله ورسوله أعلم) هذه الكلمة منهم تبين لنا أن مصدر
التلقي لتعلم العقيدة هو الله ورسوله، كتاب الله وسنة نبيه -صلوات الله
وسلامه عيله- فعن كتاب الله وعن سنة نبيه -صلى الله عليه وسلم- يتلقى
المسلمون عقائدهم؛ ولهذا نوصي كل مسلم ألا يأخذ شيئًا من أمور الاعتقاد
وأمور الدين عمومًا إلا بدليله من كتاب الله وسنة نبيه -عليه الصلاة
والسلام- و"من فارق الدليل ضل السبيل، ولا دليل إلا بما جاء به الرسول" هذه
كلمة كان كثيرًا ما يرددها شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- كما ذكر ذلك
تلميذه ابن القيم، كان كثيرًا ما يقول: "من فارق الدليل ضل السبيل، ولا
دليل إلا بما جاء به الرسول -صلى الله عليه وسلم-" على ضوء ما سبق يمكن أن
نقسم العقائد الموجودة عند الناس -على تنوعها وتعددها- يمكن أن نقسمها إلى
قسمين:

عقائد أو عقيدة نازلة وعقيدة نابتة، عقيدة نازلة وعقيدة نابتة، ما هي
العقيدة النازلة؟

المنزلة من عند الله

من عند الله -جل وعلا- ﴿ نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ ﴿193﴾ عَلَى
قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ ﴿194﴾ بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ
مُّبِينٍ ﴿195﴾﴾ [الشعراء: 193- 195] عقيدة نازلة ما هي علامة العقيدة
النازلة؟ وجود الدليل عليها في الكتاب والسنة، يقول صاحب العقيدة: أعتقد
كذا لقوله تعالى كذا، وأأمن بكذا لقوله -صلى الله عليه وسلم- كذا، هذه
عقيدة نازلة، نزلت من الله الخالق لهذا الكون، الموجد للناس، الآمر الناهي
-تبارك وتعالى- أنزل بها وحيه، وعلامة العقيدة النازلة واضحة قال الله قال
رسوله -صلى الله عليه وسلم- لو قال إنسان: أنا أعتقد كذا لأنه لو كان كذا
إذا يكون كذا، ما يقبل مثل هذا، أو قال آخر: أنا أعتقد كذا لأني جربت وجرب
فلان، أو قال آخر: أنا أعتقد كذا لأن توجد قصة استمعتها يروي قصة، أو آخر
يقول: أنا أعتقد كذا لأني رأيت في المنام أو شيخي فلان رأى في المنام كذا
وكذا، هذا كله ليس من المصادر، هذه كلها ليست مصادر للعقيدة، إذن علامة
العقيدة النازلة وجود الدليل، يقول صاحب العقيدة: قال الله قال رسوله -صلى
الله عليه وسلم- ونحن سنعرف قيمة كتب أهل العلم من أهل السنة وصفاءها من
الأدلة، الآن نفتح كتاب التوحيد للشيخ محمد بن عبد الوهاب بابا بابا هو فيه
أكثر من ستين بابا، ما هي طريقة الشيخ فيها؟ وهذه سنتحدث عنها بتفصيل
لاحق، طريقة الشيخ يقول: باب ثم يذكر عنوانا قال الله تعالى ويذكر آيتين أو
ثلاثة، ثم قال -صلى الله عليه وسلم- ويذكر حديثين أو ثلاثا، ويذكر بعض
الآثار التي توضح الباب وانتهى الباب، وينتقل إلى باب آخر، وعقب كل باب
يذكر مسائل ينبه من خلالها ما يستفاد من الآيات والأحاديث والأدلة الواردة
في الباب، بينما كتب العقائد الآخرى لا ترى فيها آية ولا ترى فيها حديثا
وإنما ترى فيها منطقيات وفلسفات وعقليات وتجارب وقصصا وحكايات إلى آخره،
إذن عقيدة نازلة.

والقسم الثاني: قلنا؟

عقيدة نابتة

نابتة، ما معنى نابتة؟

يعني نبتت في الأرض، ونشأت في الأرض واخترعت في الأرض عن طريق حقل، عن طريق
تجربة، عن طريق منامات، عن طريق... قل ما شئت من المصادر الكثيرة، بعض
طلاب العلم كتبوا في مصادر التلقي عند الناس كثيرة جدًا في، ترى الآن بعض
الناس يعتقد شيئا مبنيا على منام أو على قصة أو على تجربة أو على حكاية إلى
آخر ذلك.

إذن هذا -يا شيخ- المصدر الأول القرآن والسنة؟

المصدر الأول القرآن والسنة، أريد قبل أن أنتقل من هذه النقطة أن أبين
لجميع الإخوة أن هذا التقرير استعمله الأنبياء في إبطال عقائد المشركين
والعقائد والمنحرفة، الأنبياء استعملوا ذلك لأنهم خاطبوا أقوامهم مطالبين
لهم أن يأتوا بشيء يثبت أن هذا الشيء الذي يعتقدونه نزل من الله، وهذا تكرر
في آيات كثيرة في القرآن مثل قصة يوسف مع قومه، مع صاحب السجن قال: ﴿ يَا
صَاحِبَيْ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُّتَّفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللهُ
الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ ﴿39﴾ مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ أَسْمَاءً
سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُم مَّا أَنْزَلَ اللهُ بِهَا مِن
سُلْطَانٍ﴾ [يوسف: 39، 40] هذا الشاهد ﴿ مَّا أَنْزَلَ اللهُ بِهَا مِن
سُلْطَانٍ ﴾ يعني: ما نزل دليل على صحة هذه العقيدة، هي دعوة النبي -صلى
الله عليه وسلم- المشركين قال: ﴿ أَفَرَأَيْتُمُ اللاَّتَ وَالْعُزَّى ﴿19﴾
وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الأُخْرَى ﴿20﴾ أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ
الأُنْثَى ﴿21﴾ تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى ﴿22﴾ إِنْ هِيَ إِلاَّ
أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُم مَّا أَنْزَلَ اللهُ بِهَا
مِن سُلْطَانٍ﴾ [النجم: 19- 23] فقوله ﴿ مَّا أَنْزَلَ اللهُ بِهَا مِن
سُلْطَانٍ ﴾ يعني: أنها عقيدة وجدت واخترعت في الأرض ولم تنزل من السماء،
إذن لا عقيدة، لعلنا نأخذ قاعدة مما سبق، لا عقيدة صحيحة إلا إن كانت نازلة
من السماء، نزلت من رب العالمين، وعلامتها وجود الدليل، قال الله قال
رسوله -صلى الله عليه وسلم- وهذا أمر واضح لكل مسلم وكل مسلمة وجود الدليل
عليها من كتاب الله وسنة نبيه -صلى الله عليه وسلم- وما سوى ذلك فهي عقيدة
نابتة ناشئة مخترعة في الأرض، وقد درج عامة السلف في مصنفات في العقيدة أن
يبينوا مصدرهم فيها وهو كتاب الله -عز وجل- وسنة رسوله -صلوات الله وسلامه
عليه-.

هذا الآن فيما يتعلق بمصدر التلقي، ننتقل بعد ذلك لشيء من الحديث عن بعض
ثمار التوحيد وآثاره الطيبة ونتائجه المباركة على صاحبه في الدنيا والآخرة.

ويمكن أن نقول: أن التوحيد شجرة مباركة لها أصل ولها فرع ولها ثمار، أصل
هذه الشجرة ومكان غرسها القلب، تغرس في القلب، ثم تتفرع منها الفروع الطيبة
والأغصان الزاهية، وتثمر الثمار اليانعة، التوحيد شجرة طيبة، وقد مر معنا
قريبا قول الله تعالى في سورة إبراهيم ﴿ أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللهُ
مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ
وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ ﴿24﴾﴾ [إبراهيم: 24] هذا هو التوحيد، التوحيد
شجرة طيبة مباركة لها أصل ثابت، ولها فرع، ولها ثمار، وأصل هذه الشجرة في
القلب ويتفرع عن هذه الشجرة الفروع المباركة، ثم هي تثمر الثمار اليانعة في
الدنيا والآخرة، وقد جاء في حديث في الصحيحين وغيرهما من حديث ابن عمر:
(أن النبي -صلى الله عليه وسلم- يومًا أُتي بجُمَّار نخلة فأكل منه) وجمار
النخلة قلبها، فأكل منه وهو حلو الطعم، حسن المذاق، أكل منه -عليه الصلاة
والسلام- (ثم وضعه أمامه وقال للصحابة : أخبروني بشجرة لا يتحات ورقها ولا
ولا.. وذكر صفات لها جعلها الله مثلًا للمؤمن؟ الصحابة يقول ابن عمر: خاضوا
في شجر البوادي، أشجار البوادي عادة قوية ومتماسكة وأوراقها ليست سريعة
التساقط فخاضوا في شجر البوادي، أمامهم جمار النخلة ما منهم واحد قال : هي
النخلة، يقول ابن عمر فوقع في قلبي أنها النخلة، فلم أتكلم لمكان أبي وأبي
بكر كانا في المجلس، وهذا من أدب الصحابة -رضي الله عنهم- يقول: فلما انتهى
المجلس قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: هي النخلة).

إذن النخلة جعلت مثلا للمؤمن، والنخلة شجرة مباركة هي أفضل الشجر، يكفيها
فضيلة أن الله جعلها مثلا للمؤمن.

التوحيد شجرة مباركة لها ثمار، ثمار التوحيد متوالية ومتتالية على صاحبها
في الدنيا والآخرة، فكم للتوحيد من الفضائل وكم له من الثمار؟ وكم له من
الآثار والمنافع والعوائد الحميدة على صاحبه في الدنيا والآخرة.

من فوائد التوحيد أنه سبب لنيل الفلاح وقد مر معنا قول نبينا -عليه الصلاة
والسلام- (قولوا لا إله إلا الله تفلحو) والله -جل وعلا- قال في القرآن: ﴿
أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ
﴿5﴾﴾ [البقرة: 5] وكلمة "فلاح" تعني حيازة الخير، حتى قيل: إنه أجمع كلمة
قيلت في حيازة الخير. فالفلاح هو حيازة المفلح لخيري الدنيا والآخرة، فكيف
يحوز المسلم الخير في الدنيا والآخرة؟ بتوحيد الله وإخلاص الدين له -سبحانه
وتعالى-.

ومن ثمار التوحيد وفضائله وآثاره المباركة الطيبة أنه سبب الأمن والاهتداء
في الدنيا والآخرة كما قال الله -عز وجل-: ﴿ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ
يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الأمْنُ وَهُم
مُّهْتَدُونَ ﴿82﴾﴾ [الأنعام: 82] أمن تام واهتداء تام في الدنيا والآخرة
للموحد.

وأيضًا من ثمار التوحيد المباركة العظيمة أنه يصحح الأعمال، فالأعمال أيا
كانت لا تصح إلا إذا قامت على ساق التوحيد، فإن لم تقم على التوحيد مهما
كثرت الأعمال وتعددت وتنوعت فلن يقبلها الله قال الله تعالى: ﴿ وَقَدِمْنَا
إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَّنثُورًا ﴿23﴾﴾
[الفرقان: 23] قدمنا إلى ما عملوا، كل عمل عملوا أيا كان حتى لو كان كثيرًا
ومتعددا لا يقبله الله منه إلا إذا أقامه صاحبه على توحيد الله.

هل بقي شيء من ثمار التوحيد؟

نعم بقي بعض الثمار، لكن من الضروري أن نتوسع فيها لأنه سيأتي عندنا باب
فضائل التوحيد عند المصنف، ولعل هناك نقف على شيء من الفوائد، وإلا فهي باب
واسع جدًا، كل خير وفضيلة ورفعة في الدنيا والآخرة فهو من ثمار التوحيد.

نحن بقي معنا في مقدمتنا كلام على عناية أهل العلم بالتوحيد، والكلام على
الكتاب الذي نحن بصدد دراسته، وأيضًا نبذة عن مؤلفه والمنهج في دراسة
الكتاب وبعض النقاط الأخرى.



السؤال الذي طرحتمونه يا شيخ الذي هو ما واجبنا نحو ما نهانا الله -سبحانه
وتعالى- عنه؟ هذا السؤال - إن شاء الله تعالى- يجيب عنه الإخوة نستقبله إن
شاء الله تعالى في خلال الدرس القادم؟
دروس شرح كتاب التوحيد فضيلة الشيخ/ عبد الرزاق بن عبد المحسن العباد البدر E3ddaa08d2
 الموضوع : دروس شرح كتاب التوحيد فضيلة الشيخ/ عبد الرزاق بن عبد المحسن العباد البدر  المصدر :منتديات تقى الإسلامية  الكاتب:  El Helalya

 توقيع العضو/ه:El Helalya

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

El Helalya
المؤسسة

المؤسسة
El Helalya


المشاركات :
22515


تاريخ التسجيل :
08/08/2008


الجنس :
انثى

البلد :
مصر

sms :
سبحان الله

ـــــــــــ


ــــــــــــــ


دروس شرح كتاب التوحيد فضيلة الشيخ/ عبد الرزاق بن عبد المحسن العباد البدر _
مُساهمةموضوع: رد: دروس شرح كتاب التوحيد فضيلة الشيخ/ عبد الرزاق بن عبد المحسن العباد البدر   دروس شرح كتاب التوحيد فضيلة الشيخ/ عبد الرزاق بن عبد المحسن العباد البدر Emptyالخميس 19 أغسطس 2010 - 18:39 


الدرس الثالث

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين،
والصلاة
والسلام على إمام المرسلين نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه
أجمعين، أما بعد:

أولا: أسأل الله -جل وعلا- أن يكتنب لنا في هذه
اللقاء وفي
كل لقاء النفع والخير والفائدة، وأن يمنحنا العلم النافع،
وأن يهدينا سواء
السبيل، وأن يرزقنا الإخلاص في القول والعمل إنه سميع
الدعاء، وهو أهل
الرجاء، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
كنا في الدرس الماضي والذي
قبله بدأنا ببداية ذكرت فيها
مقدمات مهمة عن دراسة التوحيد عموما،
ودراسة كتاب التوحيد لشيخ الإسلام
محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله
تعالى- على وجه الخصوص.

ومضت تلك المقدمات وطرحت من خلالها على الإخوة سؤالا
يتعلق
بأحد شروحات هذا الكتاب وهو "كتاب القول السديد في بيان مقاصد
كتاب
التوحيد" للشيخ العلامة عبد الرحمن بن سعدي -رحمه الله تعالى-
ولعله وصل
إلى الإخوان هنا شيئا من الإجابة على هذا السؤال.

نؤجل موضوع
السؤالين إلى منتهى الحلقة، وندخل الآن في درسنا
الجديد مستهلين
مبتدئين بقراءة كتاب التوحيد للشيخ محمد بن عبد الوهاب
-رحمه الله- وقد
مر معنا مقدمات بين يدي دراسة هذا الكتاب، ونشرع الآن
مستعينين بالله
-تبارك وتعالى- مستمدين منه العون والتوفيق طالبين منه
التسديد
والتوفيق إلى الصواب فنبدأ مستعينين بالله -جل وعلا- بقراءة
الكتاب.

بسم الله الرحمن الرحيم، قال الشيخ
محمد بن عبد الوهاب
في كتابه كتاب التوحيد الذي هو حق الله على العبيد (بسم
الله الرحمن الرحيم، الحمد لله وصلى الله على محمد
وعلى آله وسلم،
كتاب التوحيد وقول الله تعالى ﴿وَمَا
خَلَقْتُ
الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ
﴾ [الذاريات:
56]
)



أولا: عنوان الكتاب كتاب
التوحيد الذي هو حق
الله على العبيد وهذا العنوان دال على مضمون هذا الكتاب
ومقصوده وما
جمع له، فعنوان الكتاب "كتاب التوحيد" وكتاب هذه الكلمة هي
مصدر للفعل
كَتَبَ يَكْتُبُ ومدار هذه الكلمة على الجمع؛ ولهذا يقال
للجماعة أو
المجموعة من الخيل "كتيبة" والكتابة سميت كتابة لأن ما كتب جمع
فيه
كلمات وأحرف في عنوان واحد أو في موضوع واحد، فإذا قال الشيخ كتاب
التوحيد
أي: المكتوب المجموع المؤلف في موضوع التوحيد.

والتوحيد هو موضوع هذا
الكتاب ومجموع ما جمع في هذا الكتاب
من معلومات وتقريرات واستدلالات
كلها في التوحيد الذي هو حق الله على
العبيد، إذن هذا مؤلف كتبه مؤلفه
-رحمه الله تعالى- لبيان التوحيد فضله
وحقيقته وأنواعه، وأيضا التحذير
مما يضاده ويناقضه أو ينقص كماله الواجب.

وبدأ الشيخ -رحمه الله
تعالى- كتابه التوحيد بقوله (بسم الله الرحمن
الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله
وسلم على نبينا محمد وعلى
آله وصحبه أجمعين، ثم قال كتاب التوحيد
)
وشرع في موضوع الكتاب،
وكنت أشرت في درسنا السابق أن الشيخ -رحمه الله-
لما يورد -كما هي
العادة في كثير من المؤلفين- مقدمة يزين فيها محتوى
الكتاب ومضمونه،
وإنما شرع في الكتابة مباشرة وهذه الطريقة التي انتهجها هي
طريقة
مسلوكة ومعروفة عند أهل العلم قديما، وقد أشرت إلى أن كثيرا من
مصنفات
السلف كصحيح البخاري والسنن والمعاجم والمسانيد والأجزاء الحديثية
وكثير
من مؤلفات المتقدمين يشرع فيها مؤلفوها بالكتاب مباشرة ويعرف الكتاب
من
عنوانه وبالدخول فيه يتبين فيم أُلِّف الكتاب ولأي موضوع جُمِعَ.

والشيخ -رحمه
الله تعالى- قال: "كتاب التوحيد" ودخل مباشرة،
وهذا أيضا فيه حكمة وفيه
منفعة عظيمة أن يدخل الإنسان مباشرة مع الآيات
والأحاديث والأدلة
المبينة لكلام الله وكلام رسوله -صلى الله عليه وسلم- في
هذا الباب
العظيم والمقصد الجليل توحيد الله -سبحانه وتعالى-.

وبَدْءُ المصنف -رحمه الله-
بالبسملة في أول كتابه هذا تأس
منه -رحمه الله تعالى- بكتاب الله
العزيز وبسنة النبي -صلى الله عليه وسلم-
تأس منه بما كان عليه
الأنبياء -صلوات الله وسلامه عليهم- وبما كان عليه
خاتمهم -صلى الله
عليه وسلم- في مكاتباته ومراسلاته -صلوات الله وسلامه
عليه- وقد قال
الله -جل وعلا- عن كتاب سليمان ﴿إِنَّهُ
مِن
سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿30
﴾ [النمل: 30] فهذه سنة ماضية أن يبدأ
الإنسان
بالبسملة.

وليس فقط الكتاب الذي يُبدأ بالبسملة، وإنما كل الأمور التي

ذات بال يبدأ فيها الإنسان بالبسملة في دخوله لبيته وخروجه من بيته،
وتناوله
لطعامه، وفي مكاتباته، وعند نومه إلى غير ذلك فإن البسملة مشروعة.

والبسملة هي
استعانة بالله -سبحانه وتعالى- لأن الباء في
"بسم الله" باء الاستعانة
ومعنى قولك: "بسم الله" أي: بسم الله أبدأ أو
أكتب أو أقرأ أو أؤلف أو
حسب الأمر الذي شرعت فيه فتبدأه بـ"بسم الله" أي
طالبا عون الله
-سبحانه وتعالى- متبركا بذكر اسمه -جل وعلا-.

بسم الله الرحمن الرحيم،
وفي هذه البسلمة ثلاثة أسماء حسنى
لله -تبارك وتعالى- دالة على كماله
وجلاله وعظمته -سبحانه وتعالى- وهي
"الله" الدالة على الألوهية
والعبودية على ما سيأتي بيانه، والرحمن الرحيم
وهما اسمان دالان على
ثبوت الرحمة صفة لله -سبحانه وتعالى- والرحمن دال على
قيامها به،
والرحيم دال على تعلقها بالمرحومين وتأمل ذلك في قوله ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمً﴾ [الأحزاب: 43]
ولم
يأت رحمن ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمً
فإذن اسمه الرحمن دال على صفته الرحمة القائمة به، واسمه الرحيم دال على
تعلقها
بالمرحوم.

فقال بسم الله الرحمن الرحيم ثم حمد الله، وحمد الله هو
ثناء
عليه مع حبه سبحانه، وصلى وسلم على رسوله -صلوات الله وسلامه عليه- ثم

قال -رحمه الله تعالى-: "كتاب التوحيد" وجعل هذا عنوان الترجمة الأولى
لكتابه
فقال: "كتاب التوحيد" ثم رأسا شرع في ذكر الأدلة على التوحيد،
وسيأتي
معنا في هذه الترجمة خمس آيات وحديث وأثر عن أحد الصحابة ولنلاحظ
هذا
في هذا الباب وفي كل باب عند الشيخ -رحمه الله تعالى- أبواب الشيخ هي
تراجم
محققة وتقريرات دقيقة يجمع تحتها الآيات والأحاديث الدالة على عنوان
الترجمة.

ولعلنا جميعا
نعرف أن كلمة "باب" المدخل إلى الشيء فالشيخ
يعقد بابا في كتابه ويليه
باب إلى آخر أبواب الكتاب، ثم يذكر الأدلة من
كتاب الله وسنة نبيه
-صلوات الله وسلامه عليه- على هذا الذي عون له أو ترجم
له.

قال: كتاب التوحيد وقول
الله تعالى ﴿وَمَا
خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ
إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ
﴾ "كتاب التوحيد
وقول الله" برفع "قول"
على أنه مبتدأ أو بخفضه "وقولِ الله" على أنه معطوف
على كلمة التوحيد.
وهذا في كل الكتاب وفي جمع الأبواب القادمة لك أن تقرأ
بالرفع على أنه
ابتداء أو بالخفض على أنه عطف كتاب التوحيد.

وقول الله تعالى ﴿وَمَا خَلَقْتُ
الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلاَّ
لِيَعْبُدُونِ
﴾ استهل الشيخ -رحمه الله
تعالى- دلائل التوحيد
بهذه الآية العظيمة من سورة الذاريات، وهذه الآية تدل
دلالة واضحة على
أن التوحيد هو الغاية التي خلق الله الخلق لأجلها وأوجدهم
لتحقيقها،
لماذا خلق الله؟ ما الغاية؟ لماذا خلق الله الثقلين؟ لماذا
أوجدهم؟ ما
الغاية من ذلك؟ ما الحكمة؟ الجواب في هذه الآية ﴿وَمَا
خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ

الله -جل
وعلا- خلق الناس أوجدهم من العدم بعد أن لم يكونوا شيئا ليقوموا
بعبادته،
فعل الأول ليفعلوا هم الثاني، فعل الأول ما هو؟ الخلق قال: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ
ليفعلوا هم الثاني وهو العبادة، لا يفعل بهم الثاني وإنما ليفعلوا هم؛
لأنهم
خلقوا ليكلفوا بالعبادة، ولهذا منهم من يقوم بها ومنهم من لا يقوم
بها،
هم خلقوا للعبادة ووجدوا لها، لكن منهم من يقوم بهذه العبادة التي خلق
لأجلها، ومنهم من يضل عن سواء السبيل ويتنكب صراط الله المستقيم.

﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ
أي:
الثقلين لم أوجدهم من العدم، لم أخلقهم بعد أن لم يكونوا شيئا إلا
لغاية
عظيمة وحكمة جليلة ما هي قال ﴿إِلاَّ
لِيَعْبُدُونِ

أي: إلا ليقوموا بعبادتي.

وكنت أشرت في لقائنا السابق إلى قاعدة مهمة في الباب
تؤثر
عن ابن عباس -رضي الله تعالى عنهما- أن كل أمر بالعبادة في
القرآن أمر
بالتوحيد فمعنى قوله تعالى ﴿إِلاَّ
لِيَعْبُدُونِ

إلا ليوحدون، أي: إلا ليقوموا بتوحيدي، والعبادة
لا تكون عبادة صحيحة
مقبولة إلا إذا قامت على التوحيد، ولعلكم تذكرون
مثلت لهذا بمثال وهو
الصلاة، قلنا: الصلاة لا تكون صلاة صحيحة مقبولة
إلا بالطهارة، فإذا وجدت
الصلاة بدون الطهارة فهي وعدمها سواء،
والعبادة لا تكون عبادة صحيحة مقبولة
إلا إذا كانت قائمةعلى التوحيد
لله -سبحانه وتعالى-.

إذن الغاية من خلق الناس وإيجاد الثقلين توحيد الله
وإفراده
-سبحانه وتعالى- بالعبادة بهذا يظهر دلالة الآية للترجمة من
حيث أن الآية
دالة على أن التوحيد الذي هو موضوع هذا الكتاب هو الغاية
التي خلق الخلق
لأجلها ووجدوا لتحقيقها كما قال الله -سبحانه وتعالى- ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾.

والله -جل وعلا-
لم يخلق الناس لحاجة منه أو به إليهم، لم
يخلقهم ليتكثر بهم من قلة،
ولا ليتعزز بهم من ذلة ،ولا ليتقوى بهم من ضعف،
فهو الغني الحميد
-سبحانه وتعالى- ولهذا تلاحظ في الآية التي تلي هذه الآية
قال: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلاَّ
لِيَعْبُدُونِ
﴿56﴾ مَا أُرِيدُ مِنْهُم مِّن
رِّزْقٍ
وَمَا أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ ﴿57

إِنَّ اللهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ
﴾ فالله
-جل
وعلا- غني عن العباد، غني عن توحيدهم، وعن عبادتهم، وعن دعائهم، وعن
صلاتهم،
وعن كل طاعة، غني عنهم -جل وعلا- وطاعتهم وعبادتهم وتوحيدهم لا
ينفع
الله، وكذلك شرك من أشرك، وكفر من كفر، وضلال من ضل لا يضر الله،
ولهذا
جاء في الحديث القدسي أن الله -تبارك وتعالى- يقول: (يا عبادي، لو أن أولكم آخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى
قلب
رجل منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئا، ولو أن أولكم آخركم وإنسكم وجنكم
كانوا
على أفجر قلب رجل منكم ما نقص ذلك من ملكي شيئ
).

إذن طاعة من أطاع، وتوحيد
من وحد، وإيمان من آمن لا ينفع
الله، وشرك من أشرك، وكفر من كفر، وضلال
من ضل لا يضر الله، لا تنفعه طاعة
الطائعين، ولا تضره معصية العاصين،
وحقيقة الأمر كما قال ربنا -سبحانه
وتعالى-: ﴿مَنِ
اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي
لِنَفْسِهِ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا
يَضِلُّ عَلَيْهَ
﴾ [الإسراء: 15]
ولهذا كان واجبا على كل إنسان
يريد السعادة لنفسه ويريد الخير أن يعرف هذا
التوحيد الذي هو الغاية من
خلقه وإيجاده، فيعرفه ويتعلمه ويسعى في تحقيقه
وتكميله، إذن هذه الآية
الأولى تدل على أن الغاية من خلق الناس وإيجاد
الثقلين توحيد الله -جل
وعلا-.

الآية الثانية:

قال
المصنف -رحمه الله تعالى- (وقوله ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي
كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ
اعْبُدُوا اللهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ

[النحل: 36]
)


هنا ترتيب
المصنف للأدلة سنلاحظ فيه متانة ودقة وحسن تحريك،
فبدأ أول ما بدأ بذكر
الآية الدالة على أن الغاية من خلق الناس توحيد
الله، خلقوا لتوحيده،
ثم الغاية من بعثة الرسل للناس هي الدعوة إلى هذا
التوحيد، فالغاية من
بعثة الرسل والحكمة من إرسالهم الدعوة إلى توحيد الله،
قال تعالى ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ
رَّسُولاً أَنِ
اعْبُدُوا اللهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ
﴾ بعثنا
أي: أرسلنا،
البعث هو الإرسال ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا
فِي
كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللهَ وَاجْتَنِبُوا
الطَّاغُوتَ

هذه مهمة الرسل، الرسل من أولهم إلى آخرهم مضوا في
الدعوة إلى هذه
الغاية، وإرشاد الناس إلى هذا المطلب العظيم ﴿أَنِ
اعْبُدُوا اللهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ

قلنا في الآية
السابقة: لماذا خلق الله الخلق؟ وجاءنا الجواب في الآية ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ
وهنا لماذا أرسل الله الرسل وبعثهم؟ ويأتي الجواب في هذه الآية ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ
اعْبُدُوا
اللهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ
﴾ مثلها قوله تعالى ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلاَّ
نُوحِي
إِلَيْهِ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ ﴿25
﴾ [الأنبياء:25] وهنا ينبغي أن نعلم أن
دين
الأنبياء واحد، كلهم من أولهم إلى آخرهم -عليهم صلوات الله وسلامه-
دينهم
واحد، عقيدتهم واحدة، كلهم دعاة إلى التوحيد؛ بل إن التوحيد هو زبدة
دعوة
الأنبياء والمرسلين، وأول كلمة يسمعها الأقوام من أنبياءهم ورسلهم
دعوتهم
إلى توحيد الله -سبحانه وتعالى- وعندما تقرأ القرآن ودعوات الأنبياء

تجد ﴿اعْبُدُوا اللهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ
غَيْرُهُ

[المؤمنون: 23] هذا أول ما يقرع سمع الأقوام من أنبيائهم
التوحيد،
وهذا يدلنا على أن التوحيد هو زبدة دعوة المرسلين وخلاصة رسالتهم
والغاية
من بعثهم ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ
أُمَّةٍ

وهذا يدل أيضا على أن حجة الله قائمة ببعثة الرسل، فمن
بلغته دعوة
المرسلين لا عذر له والحجة عليه قائمة ﴿وَلَقَدْ
بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ
﴾ ولاحظ هنا فائدة عظيمة جليلة القدر
في
هذه الآية وفي نظائرها من الآيات الآتية معنا -أن التوحيد لابد فيه من
أمرين
إثبات ونفي، لابد منهما لا توحيد إلا بهما إثبات ونفي، كما هو أيضا
في
كلمة التوحيد العظيمة "لا إله إلا الله" ويجب علينا أن نعلم أنه لا
توحيد
إلا بالأمرين، فهما أصلان أو ركنان يقوم عليهما التوحيد الإثبات
والنفي،
الإثبات في الآية في قوله ﴿اعْبُدُوا اللهَ
والنفي في قوله ﴿وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ
﴿اعْبُدُوا اللهَ﴾ هذا إثبات ﴿وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ هذا نهي، إذن لا توحيد
إلا
بنفي وإثبات.
ولاحظوا معي -أيها الإخوة- ملاحظة مهمة بل فائدة عظيمة: لو
وجد
من شخص إثبات بلا نفي، يقول: أنا أثبت لله الربوبية، وأثبت لله الأسماء
والصفات، وأعبد الله ولكن لا أنفي هذا عن غيره، هذا ما اسمه؟ ما اسم من
يقول:
إن طريقته هذه هي، يقول: أنا أثبت ولكنني لا أنفي، النفي لا ألتزم
به،
ولا أقوم به، هذا مشرك، المشرك يعبد الله، يقوم بعبادات يتقرب بها إلى
الله،
يأتي منه أذكار، يأتي منه حج، يأتي منه دعاء، يأتي منه العبادات
لكنهم
لا ينفون العبادة عن غير الله، فإذن من أثبت ولم ينف مشرك.

ومن نفى ولم يثبت ملحد،
الذي ينفي عن الله -سبحانه وتعالى-
خصائصه وكمالاته وأسماءه هذا إلحاد،
فإذن الإثبات بدون نفي شرك، والنفي
بدون إثبات إلحاد، ولا يكون
التوحيد إلا بالإثبات والنفي، نثبت لله -سبحانه
وتعالى- خصائصه وننفيها
عمن سواه، نخلص العبادة لله -سبحانه وتعالى-
وننفيها عمن سواه، لا
يكون التوحيد إلا بمجموع هذين الأمرين، ولا يكون
الإنسان عبدا لله،
موحدا لله، قائما بالدين الذي خلقه الله -سبحانه وتعالى-
لأجله إلا
بالأمرين معا ﴿اعْبُدُوا اللهَ
وَاجْتَنِبُوا
الطَّاغُوتَ
﴾ الذي يعبد الله ولا يجتنب الطاغوت لا
يبرأ من
عبادة غير الله قلنا فيما سبق: ما عبد الله حقيقة؛ لأن العبادة لا
تكون
عبادة إلا بالتوحيد، والعمل لا يكون صالحا متقبلا إلا بالتوحيد، فإذا
كان
الإنسان موحدا عابدا مطيعا ممتثلا أمر الله، ومتبرءا من عبادة ما سواه
متخلصا
من الشرك فهذا هو حقيقة العبادة.

إذن لابد من الأمرين ﴿اعْبُدُوا

اللهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ
﴾ ﴿اعْبُدُوا
اللهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ
﴾ ﴿وَاعْبُدُوا
اللهَ وَلاَ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئً
﴾ [النساء: 36] كلها تدل على
معنى
واحد وهو ما دلت عليه كلمة التوحيد "لا إله إلا الله" "لا إله" نفي
و"إلا
الله" إثبات وهذا هو التوحيد، ولا يكون التوحيد إلا بهذين الأمرين
معا.

إذن الأنبياء
بعثوا بهذا التوحيد الخالص، وبالدين النقي،
وبالعمل الصافي الذي لم يرد
به إلا الله -جل وعلا- وهو الحكمة من بعثهم،
وهو الدليل كما ذكر
المصنف -رحمه الله تعالى-: ﴿وَلَقَدْ
بَعَثْنَا
فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللهَ
وَاجْتَنِبُوا
الطَّاغُوتَ
﴾ هل كل الناس امتثلوا واستجابوا؟ قال
تعالى ﴿فَمِنْهُم مَّنْ هَدَى اللهُ وَمِنْهُم مَّنْ
حَقَّتْ
عَلَيْهِ الضَّلاَلَةُ
﴾ [النحل: 36] بل قال -سبحانه
وتعالى- ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ
بِمُؤْمِنِينَ
﴿103
﴾ [يوسف: 104]
أكثر الناس
-والعياذ بالله- ضل عن هذا الصراط السوي وعن هذه الجادة
المستقيمة التي
دعا إليها أنبياء الله ورسله.

إذن الآية الأولى في بيان أن الغاية من خلق
الثقلين
العبادة، والآية الثانية في بيان أن الغاية أو الحكمة من بعثة
الرسل
العبادة والتوحيد وإفراد الله -سبحانه وتعالى- بالعبادة.
ثم ننتقل الآن للدليل
الثالث عند الشيخ -رحمه الله تعالى- .

إذن
-يا شيخ- ترتيب الآيات مقصود عند
الشيخ محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله
تعالى-


الشيخ -رحمه الله تعالى- كما قدمت رتب الآدلة ترتيبا متينا
بهدف
معين، ويتدرج بالقاريء في هذه الدلائل مبينا الحِكم والغايات مرتبًا
هذه
الأمور ترتيبا دقيقا، خلق الخلق لماذا؟ للتوحيد، ثم بعث لهم الرسل
لماذا؟
للتوحيد، ثم سيأتي أيضا أنه وصية الله وأنه حق الله على ما سيأتي من

خلال الآيات التي نقرأها.

قال المصنف -رحمه الله تعالى-
(وقوله: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ
أَلاَّ
تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا
إِمَّا
يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا
فَلاَ تَقُل
لَّهُمَا أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا
قَوْلاً كَرِيمًا ﴿23﴾ وَاخْفِضْ لَهُمَا
جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ
الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا
رَبَّيَانِي صَغِيرً

[الإسراء: 23]
)
هذه الآية
من سورة الإسراء فيها بيان أن
التوحيد هو وصية الله لعباده؛ بل بيان أن
التوحيد هو أعظم وصايا الله -جل
وعلا- لعباده "وقضى" أي: وصى وأمر؛
لأن "قضى" تأتي على معنى التقدير وتأتي
على معنى الأمر والوصية، قول
تعالى ﴿فَقَضَاهُنَّ
سَبْعَ سَمَاوَاتٍ

[فصلت: 12] هذا تقدير وخلق، أما هنا قضى أي: أمر
ووصى ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ
إِيَّاهُ

أي: وصى وأمر ربك إلا تعبدوا إلا إياه.

إذن هذه الآية تدل على أن
التوحيد في قوله ﴿أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ
هو ماذا؟ وصية
الله لأن القضاء هنا المراد به الوصية والأمر، فالتوحيد
هو وصية الله وليست
الآية تدل على هذا المعنى فقط؛ بل تدل على أن
التوحيد أعظم وصايا -الله جل
وعلا- لعباده من أين نأخذ هذا؟ من أين
نأخذه؟ إذا قرأنا مجموع السياق
كاملا، وهنا أريد الجميع أن يتأمل إما
الآن أو فيما بعد نقرأ السياق كاملا
في سورة الإسراء بدءا من هذه
الآية؛ بل من الآية التي قبلها وهي قوله
تعالى: ﴿لاَ
تَجْعَلْ مَعَ اللهِ إِلَهًا آخَرَ
فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَّخْذُولاً
﴿22﴾وَقَضَى
رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا
إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانً

إلى أن قال بعد
آيات ﴿وَلاَ تَجْعَلْ مَعَ اللهِ
إِلَهًا آخَرَ
فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَّدْحُورً

[الإسراء: 39]
هذا السياق أتمنى من الجميع؛ بل أرغب من الجميع أن يراجع
الآيات ولو
فيما بعد، وهذه الآيات كما قال الشيخ في المسائل تضمنت ثماني
عشرة
مسألة، أي: أمر ونهي، أوامر عديدة ستراها، ترى الأمر بالتوحيد، النهي
عن
الشرك، الأمر ببر الوالدين، النهي عن التبذير، النهي عن الزنى، النهي عن
قتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، النهي عن أكل مال اليتيم، أوامر
ونواهٍ
ستمر عليك عددها ثمانية عشر، عندنا تقرأ هذه الأوامر والنواهي التي
جاءت
في هذا السياق وعددها ثمانية عشر صدرت بماذا؟ ما هو أول نهي فيها وما
هو
أول أمر؟ أول نهي هو قوله: ﴿لاَ تَجْعَلْ مَعَ
اللهِ
إِلَهًا آخَرَ
﴾ وأول أمر: ﴿وَقَضَى
رَبُّكَ
أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ
﴾ ثم جاءت بعد ذلك
النواهي
إلى أن ختمت بالنهي عن الشرك، فبدئت هذه الأوامر بالنهي عن الشرك
والأمر
بالتوحيد وختمت بالنهي عن الشرك، ماذا تستفيد أنت من هذا إذا تأملت
في
بيان قدر التوحيد ومكانته؟ أليس هذا يدل دلالة بينة واضحة أن التوحيد
أعظم
الأوامر؟ أليس بدء الله بالأمر دالا على أهميته؟ البدء يدل على
الاهتمام،
وإذا أردت أن تعرف قيمة البدء وأنه يدل على الاهتمام تذكر نبينا
-عليه
الصلاة والسلام- عندما صعد الصفا ماذا قال؟ قال (نبدأ
بما بدأ الله به
) ﴿إِنَّ
الصَّفَا
وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَائِرِ اللهِ
﴾ [البقرة: 185] البدء
بالشيء
يدل على الاهتمام به، ما يبدأ بالأدنى ويقدم على الأعلى، ولا يبدأ
بالمهم
ويقدم على الأهم، وإنما يبدأ دائما بالأهم وهذا مطرد، تجد الأوامر
التي
في القرآن مبدوءة بالأمر بالعبادة، النواهي التي في القرآن مبدوءة
بالنهي
عن الشرك وسيأتي معنا نظائر كثير لهذا، إذن إذا قلنا: دلت هذه الآية

على أن التوحيد أعظم الوصايا، أعظم وصايا الله لعباده من أين نكون أخذنا
هذا؟
لأنه
صدر بالأمر بالأمر


صدر بالوصية بالتوحيد بقوله ﴿وَقَضَى
رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ
﴾ فهذه جملة من الوصايا
عدتها
ثمانية عشر صدرت بالنهي عن الشرك والأمر بالتوحيد.

إذن استفدنا من هذا السياق
المبارك أن أعظم الوصايا وأجل
الأوامر التوحيد، وأخطر ما نهى الله عنه
بالله -سبحانه وتعالى- هو الشرك
بالله -سبحانه وتعالى-.
لو قيل لك -أيها الأخ
الموفق- ما الدليل على أن أعظم شيء
وصى الله به وأمر الله عباده به هو
التوحيد؟ ولو قيل لك أيضا ما الدليل على
أن أعظم شيء نهى الله عنه
وحرمه على عباده هو الشرك؟

الجواب واضح أمامنا في هذه الآية، وسيأتي معنا آيات
مماثلة
له. تقول في جوابك على هذا السؤال: إن القرآن مشتمل في مواضع
كثيرة منه على
أوامر ونواهٍ ونجد أن الأوامر تصدر بالأمر بالتوحيد،
والنواهي تصدر بالنهي
عن الشرك فدلنا ذلك على ماذا؟ على أن أعظم
الأوامر وأعظم الوصايا هو توحيد
الله، وأخطر النواهي وأخطر ما نهى الله
-جل وعلا- عنه هو الشرك بالله.

﴿وَقَضَى رَبُّكَ
أَلاَّ تَعْبُدُوا
إِلاَّ إِيَّاهُ
﴾ قلنا: لا توحيد إلا بماذا؟
نفي وإثبات، ﴿أَلاَّ تَعْبُدُو﴾ نفي ﴿إِلاَّ
إِيَّاهُ
﴾ إثبات، فلابد في التوحيد من
نفي العبادة عن كل ما سوى
الله، وإثبات العبادة بكل معانيها ودلالاتها
لله وحده، ولا يكون التوحيد
إلا بها.

ننتقل إلى الدليل الرابع
قال المصنف -رحمه الله تعالى- (وقوله: ﴿وَاعْبُدُوا اللهَ وَلاَ
تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا
وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانً
) إلى
آخر الآية هذه الآية
تسمى عند أهل العلم بآية الحقوق أو الحقوق العشرة،
لماذا سميت بهذ
الاسم؟ لأنها اشتملت على ذكر عشرة حقوق:

الحق الأول: حق الله، ثم
بقية العشرة حقوق العباد، حق
الوالدين، حق القربى، حق الجار، حق
المسكين إلى آخر الحقوق التي ذكرت في
هذه الآية، موضوعنا الدلالة على
مكانة التوحيد وأهميته وعظم شأنه، ماذا
نستفيد -أيها الإخوة- من هذا
السياق المبارك في الآية المعروفة عند أهل
العلم بآية الحقوق في مكانة
التوحيد وفضله.

أن أعظم حق على الإطلاق وأجله وأهمه وأكبره التوحيد الذي هو

حق الله على العبيد، فليس في الحقوق حق أعظم منه، فهو أعظم الحقوق وأجلها
وأكبرها
على الإطلاق، من أين أخذنا أن هذا الحق هو أعظم الحقوق؟ من تقديمه
والبدء
به في آية الحقوق العشرة ذكر الله -جل وعلا- حقوقا كثيرة وذكر في
مقدمتها
وفي صدرها وفي أولها حقه -سبحانه وتعالى- ما هو حقه؟ قال: ﴿اعْبُدُوا اللهَ وَلاَ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئً﴾ هذا
أعظم الحقوق على الإطلاق أعظم من حق الأبوين، وأعظم من حق الجيران، وأعظم
من
حق اليتيم، وأعظم من حق المسكين، وأعظم من حق الصاحب إلى غيرها من
الحقوق
التي ينبغي على العبد أن يحافظ عليها وأن يقوم بها، فأعظم الحقوق حق

الله -سبحانه وتعالى-.

إذن هذه الآية الرابعة دلت على أن التوحيد والبعد عن
الشرك
هو أعظم الحقوق،

أذكر بالآيات مرتبة:

الآية
الأولى:
دلت على أن
التوحيد هو الحكمة من خلق الثقلين.

والآية الثانية: دلت على أن
التوحيد والبعد عن
الشرك هو الغاية من بعثة

الرسل.

والآية الثالثة:
دلت على أن
التوحيد هو أعظم الوصايا وأجلها على الإطلاق.

والآية
الرابعة:
دلت على أن
التوحيد هو أعظم الحقوق، وهو حق الله على
عباده الذي أوجدهم -سبحانه
وتعالى- لأجله وخلقهم لتحقيقه ﴿وَاعْبُدُوا اللهَ
وَلاَ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئً

أيضا تدل الآية على أن التوحيد لا
يكون إلا بالنفي وبالإثبات، الإثبات
في قوله ﴿وَاعْبُدُوا
اللهَ
﴾ والنفي في
قوله ﴿وَلاَ تُشْرِكُوا
بِهِ شَيْئً
﴾ ولا
توحيد إلا بهذا، ما وحد الله من عبده بدون نفي
الشرك، لا يكون توحيد
الله -جل وعلا- إلا بعبادته مع نفي الشرك والبعد عنه.

ثم
الآية الخامسة:


قال المصنف -رحمه الله تعالى-
وقوله:
﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ
رَبُّكُمْ
عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا
وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا
وَلاَ تَقْتُلُوا أَوْلاَدَكُم مِّنْ
إِمْلاَقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ
وَإِيَّاهُمْ وَلاَ تَقْرَبُوا
الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا
بَطَنَ وَلاَ تَقْتُلُوا
النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلاَّ
بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ
وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ﴿151
وَلاَ تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ
بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ
حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ
وَالْمِيزَانَ
بِالْقِسْطِ لاَ نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا وَإِذَا
قُلْتُمْ
فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللهِ أَوْفُوا

ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ﴿152
وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا
فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُوا
السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن
سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ
لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ

[الأنعام: 151: 153 ]
هذه
الآيات الثلاث الكريمات من سورة الأنعام
يسميها العلماء آيات الوصايا
العشر، لماذا؟ لأنها مشتملة على عشر وصايا.

سابقة
آية الحقوق العشر


الآية الأولى من سورة النساء وهي آية واحدة يسميها
أهل
العلم آية الحقوق العشر، فيها عشرة حقوق، وهذه الآيات الثلاث من
سورة
الأنعام يسميها العلماء آيات الوصايا العشر؛ لأنها اشتملت على عشر
وصايا،
ولعلكم لاحظتم أن كل آية من الآيات الثلاث مختومة بقوله ﴿ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ﴾ إذن هذه وصايا، وكل آية

من هذه الآيات الثلاثة ختمت بقوله ﴿ذَلِكُمْ
وَصَّاكُمْ
بِهِ
﴾ الآية الأولى ﴿ذَلِكُمْ
وَصَّاكُمْ
بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ
﴾ والآية الثانية ﴿ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ
والآية الثالثة ﴿ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ
لَعَلَّكُمْ
تَتَّقُونَ
﴾ وهذا أيضا فيه حكمة لماذا؟ لأن أول ما يكون
من
الإنسان أن يعقل الأمر، يعقله يفهمه على وجهه، ثم إذا عقله انتقل من
العقل
إلى زوال الغفلة بالتذكر فيعقل أولًا، ثم يحصل له التذكر وهو زوال
الغفلة،
فإذا عقل وتذكر وزالت عنه الغفلة خاف الله واتقاه، فهذا في حكمة
ترتيب
هذه الوصايا.

إذن يحتاج العبد أن يعقل وصايا الله، وبعقله لها يكون
متذكرا
هذ الأمر العظيم محققا له مبتعدا عن سبيل الغافلين، ثم يحقق تقوى
الله
-جل وعلا- في التزام أوامره والبعد عن نواهيه، وهذا أيضا يفسر لنا أن
الفساد
والخلل الذي ينشأ عند الكثير في جانب الأوامر أو جانب النواهي سببه
إما
عدم العلم، عدم العقل، أو عدم التذكر بالغفلة، أو عدم خوف الله -جل
وعلا-
ولوجود هذه الأمور فيك تأتي تدريجيا بالعقل أولًا، وبزوال الغفلة
ثانيا،
ثم بتحقيق خوف الله -جل وعلا- ومراقبته ثالثا، هذه الآية تسمى آية
الوصايا
العشر.

قبل أن أسترسل وقبل أن أنسى أتمنى من الجميع في آياتنا
الثلاث
آيات الإسراء التي تتضمن ثمانية عشر مسألة، وآية النساء التي تتضمن
الحقوق
العشر، وآيات الأنعام الثلاثة التي تتضمن الوصايا العشر -أن يعيش
المسلم
بعد الحلقة أو في وقت آخر مع كتاب الله يفتح القرآن ويعد من سورة
الإسراء
ثمانية عشر مسألة أوامر ونواهي كل مسألة يكتب أمامها دليلها من
الموضع
نفسه في السياق، ثم ينتقل إلى الحقوق العشر وأيضا يكتبها وكل حق
أمامه
دليله من السياق، ثم أيضا الوصايا العشر في سورة الأنعام ويذكر كل
وصية
أمامها دليلها، ثم أيضا يرجع إلى كتب التفسير ويستفيد من أقوال أهل
العلم
حتى يعظم حظه من الخير ومن هذه الأوامر والنواهي المجتمعة في هذه
السياقات،
وسيحصل من يفعل ذلك خيرا عظيما ونفعا كبيرا بإذن الله تعالى.

هنا الآن نعود إلى مقصودنا
من ذكر الشيخ -رحمة الله عليه-
لهذا السياق المبارك ﴿قُلْ تَعَالَوْ﴾ قل يا
محمد: تعالو يا من
تعبدون غير الله وتشركون به وتخالفون أمره ﴿تَعَالَوْا
أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ

وهنا أيضا النبي
-صلى الله عليه وسلم- دعوته ما هي؟ تلاوة وحي الله ﴿إِنَّمَا
أُنذِرُكُم بِالْوَحْيِ
﴾ [الأنبياء: 45]
هذه دعوة النبي -صلى
الله عليه وسلم- يدعو الناس إلى كلام الله ﴿وَإِنْ
أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ
فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ
كَلاَمَ اللهِ
﴾ [التوبة: 6] مهمته إبلاغ
الكلام فهو رسول -صلوات
الله وسلامه عليه- والرسول مهمته إبلاغ كلام مرسله
﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ
عَلَيْكُمْ

قل تعالو أي: أيها المشركون أتل ما حرم ربكم عليكم
ماذا؟ ألا تشركوا
به شيئا، وهنا قال أهل العلم: أن ثمت محذوف مقدر دل علهي
السياق وهو
وصاكم ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا
حَرَّمَ
رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ
﴾ وصاكم ألا تشركوا به شيئا، أخذوا هذا
من
تمام الآية في قوله ﴿ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ
فيكون المعنى ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ
رَبُّكُمْ
عَلَيْكُمْ
﴾ أي: حرم ربكم عليكم أو وصاكم بالبعد عن
الشرك،
وصاكم ببر الوالدين إلى آخر الوصايا المذكورة في هذه السياقات.

﴿أَلاَّ
تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئً

هذا فيه الوصية بالبعد عن الشرك، وهذا
السياق مشتمل على التحذير من نواهٍ
عديدة بدأت بالنهي عن الشرك، فدل
هذا السياق على أن أعظم شيء نهى الله عنه
الشرك بالله.
أعظم
وصية


أعظم شيء نهى الله عنه الشرك بالله، وهو وصية عظيمة بل هي
أعظم
وصايا الله -جل وعلا- لعباده نهيهم عن الشرك، والنهي عن الشرك يدل
بالاقتضاء
على ماذا؟

على الأمر بالتوحيد

على الأمر بالتوحيد،
فالنهي هنا عن الشرك يدل بالاقتضاء على
الأمر بالتوحيد ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا
حَرَّمَ رَبُّكُمْ
عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئً
﴾ فهذا
يدل على أن
أعظم وصايا الله -جل وعلا- تحريم الشرك، وهو يدل بالاقتضاء -كما
قدمت-
على الأمر بالتوحيد فأفدنا من ذلك أن أعظم الأوامر التوحيد، وأعظم
النواهي
أو أخطر النواهي الشرك بالله -عز وجل-.

التوحيد الذي هو أعظم
الأوامر عرفناه، وعرفنا أنه لا يكون
إلا بالنفي والإثبات وهو إفراد
الله -سبحانه وتعالى- وسبق أن تحدثت في
الحلقة السابقة عن معنى التوحيد
وعن أنواع التوحيد، وعرفنا فيما سبق أن
التوحيد أنواع ثلاثة: توحيد في
الربوبية، وتوحيد في الأسماء والصفات،
وتوحيد في الألوهية، وتوحيد
الله في هذه إفراده بها وعدم جعل شريك معه في
شيء منها هذا هو التوحيد،
فما هو الشرك الذي نهى الله عنه ﴿أَلاَّ تُشْرِكُوا
بِهِ شَيْئً
﴾ ما هو الشرك الذي
نهى الله عنه؟ لا تشركوا الشرك
هو التسوية، معنى الشرك أي: التسوية، تسوية
غير الله بالله في شيء من
خصائص الله، هذا هو الشرك ولذلك أهل النار عندما
يدخلونها يوم القيامة
ماذا يقولون؟ ﴿تَاللهِ إِن
كُنَّا لَفِي ضَلاَلٍ
مُّبِينٍ ﴿97﴾إِذْ
نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ
الْعَالَمِينَ ﴿98

[الشعراء:
97: 98] فهذا يبين لنا معنى الشرك أنه تسوية غير الله بالله في
شيء من
خصائص الله، سواء خصائصه في ربوبيته، أو خصائصه في أسماءه وصفاته،
أو
خصائصه -سبحانه وتعالى- في ألوهيته، تسوية غير الله به أوعدل غيره به
كما
قال -جل وعلا- ﴿ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا
بِرَبِّهِمْ
يَعْدِلُونَ
﴾ [الأنعام: 1] أي: يسوون غيره به، فمن سوى
غير
الله بالله في شيء من خصائص الله فهو مشرك بالله، والله -جل وعلا- أمر
عباده
بالتوحيد ونهاهم عن الشرك والآية الكريمة تدل على أن التوحيد أعظم
الأوامر
والنهي عن الشرك هو أعظم النواهي.
إذن هذه خمس آيات ذكرها المصنف -رحمه الله
تعالى-:

الآية الأولى: التوحيد هو
الحكمة
من الخلق.

والثانية: الحكمة من بعثة
الرسل.

والثالثة: أعظم الوصايا
التوحيد.

والرابعة:
أعظم الحقوق
التوحيد.

والخامسة: أعظم ما نهى
الله
عنه الشرك بالله.

فهذه خمس آيات صدر بها المصنف كتابه مبينا من خلالها
مكانة
التوحيد وعظيم

شأنه ورفيع قدره.

نواصل الآن في دراسة
الكتاب، وأخذنا الآيات الخمس التي صدر
الله بها الشيخ -رحمه الله
تعالى- كتابه التوحيد، والآن نستمع إلى بقية هذا
الباب ولعلنا ننهيه
باختصار في هذه الحلقة حتى تكون كل حلقة ننهي فيها
بابا من أبواب كتاب
التوحيد.
قال المصنف -رحمه الله تعالى-: (قال
ابن مسعود: من أراد أن ينظر إلى وصية محمد -صلى الله
عليه وسلم- التي
عليها خاتمه فليقرأ قوله تعالى ﴿قُلْ
تَعَالَوْا
أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُوا
بِهِ
شَيْئً
﴾ إلى قوله تعالى﴿وَأَنَّ هَذَا
صِرَاطِي
مُسْتَقِيمً
﴾ الآيات
)


الشيخ -رحمه الله تعالى-
لما ذكر هذه الآيات الثلاث التي
اشتملت على عشر وصايا أعقبها بهذا
الأثر عن ابن مسعود -رضي الله تعالى عنه-
في بيان مكانة هذه الوصايا
العشر وعظم شأنها، فأورد هذا الأثر عن ابن
مسعود يقول فيه: من أراد أن
ينظر إلى وصية محمد -صلى الله عليه وسلم- التي
عليها خاتمه فليقرأ هذه
الآيات، ومعنى قوله: "عليها خاتمه" شبهها بالوصية
التي وضعت في غلاف
وأغلقت وأحكمت ووضع عليه الخاتم فلم تتبدل ولم تتغير،
وهذا يؤكد على
مكانة هذه الوصية، والمعنى أن النبي -صلى الله عليه وسلم-
لوكان موصيا
لأوصى بكتاب الله كما قال: (تركت فيكم
ما إن
تمسكتم به لن تضلو
) وهذه الوصايا العشر هي أعظم الوصايا في
كتاب
الله -عز وجل-.

إذن هذا يدلنا على فقه الصحابة -رضي الله تعالى
عنهم- وفقه
ابن مسعود في بيانه لمكانة هذه الوصايا وعظم شأنها، وأنها
بمثابة الوصية
العظيمة المتينة التي كتبت وحررت وختم عليها ولم تتبدل
ولم تتغير، وإيراد
المصنف لهذا الأثر المقصود منه بيان مكانة هذه
الآيات.

قال المصنف -رحمه الله تعالى-: (وعن معاذ بن جبل -رضي الله تعالى عنه- قال: ( كنت رديف النبي -صلى الله عليه وسلم- على حمار فقال لي:
يا
معاذ، أتدري ما حق الله على العباد، وما حق العباد على الله؟ قلت: الله
ورسوله
أعلم. قال: حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا، وحق
العباد
على الله ألا يعذب من لا يشرك به شيئا. قلت: يا رسول الله، أفلا
أبشر
الناس؟ قال: لا تبشرهم فيتكلو
) [أخرجاه في الصحيحين]
)


هذا الحديث
العظيم وهو في الصحيحين فيه بيان مكانة التوحيد
وأنه حق الله على
العباد، والمؤلف ساقه لهذا الأمر، ساقه لبيان مكانة
التوحيد وأنه حق
الله على عباده.

يقول النبي -صلى الله عليه وسلم- لمعاذ بن جبل (أتدري ما حق الله على العباد وما حق العباد على الله )
وتأمل هذا الأسلوب الحكيم من النبي -صلى الله عليه وسلم- في التعليم،
وتأمل
أيضا تواضعه -صلوات الله وسلامه عليه- وكمال وأدبه خلقه وحسن تعليمه،

فهو -عليه الصلاة والسلام- يركب الحمار ويردف من أصحابه معه، أردف معاذا
وأردف
ابن عباس -رضي الله تعالى عنهما- وأردف الفضل، وأردف آخرين من
الصحابة
حتى أن أحد السلف ألف رسالة مطبوعة: "من أردفهم النبي -عليه الصلاة

والسلام-" فالنبي -عليه الصلاة والسلام- الذي هوسيد ولد آدم كان يركب
الحمار،
وكان يردف عليه، وكان حسن التعليم، ومعه معاذ ويخاطبه باسمه
متلطفا: (يا معاذ، أتدري) وبهذا شد انتباه
معاذ للتعلم
وحسن الإفادة (أتدري ما حق الله على
العباد، وما
حق العباد على الله؟ قلت: الله ورسوله أعلم
) وهذا فيه
أن من لم
يعلم يحيل العلم إلى عالمه، وإذا سئل أحدنا عن شيء لا يعلمه يقول
هذه
الكلمة التي قالها معاذ يقول: "الله أعلم" يحيل العلم إلى عالمه،
والنبي
-صلى الله عليه وسلم- كان بين أظهرهم ويأخذون عنه العلم ويتلقون منه

الذكر -صلوات الله وسلامه عليه- ويسألونه.

فالشاهد أن معاذا قال: الله
ورسوله أعلم، فقال النبي -صلى
الله عليه وسلم-: (حق الله على العباد أن يعبدوه ولا
يشركوا به شيئا
)
هذا الحق الذي لأجله خلقهم، ولأجله أوجدهم، أن
يعبدوه ولا يشركوا به
شيئا، لا يكفي أن يعبدوه لا يكون الأمر بهذا كافيا
محققا المقصود؛
ولهذا قال: (ولا يشركوا به شيئ)
فلا يكون
التوحيد إلا بالعبادة مع نفي الشرك.

هذا حق الله على عباده، وهو
الذي جعله المصنف -رحمه الله
تعالى- عنوانا لكتابه قال: "التوحيد الذي
هو حق الله على العباد" فهذا أخذه
لفظا من حديث معاذ (حق الله على العباد أن يعبدوه
ولا يشركوا به شيئا، وحق
العباد على الله ألا يعذب من لا يشرك به شيئ
)
وهذا يدلنا على
فضل التوحيد، وسيأتي عند المصنف الباب اللاحق في فضل
التوحيد، فمن فضل
التوحيد أن الله -جل وعلا- لا يعذب من لا يشرك به شيئا،
و"شيئا" نكرة
في سياق النفي فهي تعم، "لا يشرك به شيئا" فالذي لا يشرك
بالله شيئا أي
شيء أو أي نوع من أنواع الشرك لا يعذبه الله فهذا يدلنا على
فضل
التوحيد.

وقوله: (لا يعذب من لا يشرك به شيئ)
أترك هنا سؤالا للإخوة المتابعين معنا وهو لماذا سميت العقوبة عذابا؟
ولعلنا
نأخذ جوابه في الحلقة الآتية إن شاء الله، لماذا سميت العقوبة
عذابا؟.

قال: (لا يعذب من لا يشرك به شيئا )
معاذ -رضي الله
تعالى عنه- فرح بهذا الأمر الذي فيه جلالة قدر التوحيد
ومكانته فقال:
"أفلا أبشر الناس" وهذا فيه استحباب بشارة المسلم بما يسره.
فقال له
النبي -صلى الله عليه وسلم-: (لا تبشرهم
فيتكلو
)
يعني: لكي لا يتكلوا على هذا الأمر، ويحصل عندهم تراخٍ أو
فتور عن
العمل، وجاء في بعض الروايات أن معاذا -رضي الله تعالى عنه- أخبر
بذلك
عند موته تأثما، يعني: خشية أن يأثم بكتمان هذا العلم.

على كل حال هذا الحديث
الشاهد منه هو بيان مكانة التوحيد،
وأنه حق الله -سبحانه وتعالى- على
عبيده، فهذا باختصار ومما يتناسب مع وقت
هذه الحلقة من بيان لهذا
الكتاب، أو المبدأ لكتاب التوحيد لشيخ الإسلام
محمد بن عبد الوهاب
-رحمه الله تعالى وغفر له-.

وأيضا أترك سؤالا ثانيا للإخوة المتابعين معنا وهو
أن يبين
في الجواب مختصرا كل دليل أورده المصنف، يعني: كل دليل من
الأدلة التي
أوردها ما غاية المصنف من إيرادها؟ لماذا أورد كل دليل؟
وهذا ما يسميه
العلماء "مناسبة الآية للترجمة" أو "مناسبة الحديث
للترجمة" فما مناسبة
الآية الأولى والثانية والثالثة والرابعة والخامسة
والحديث؟ ما مناسبة كل
آية للترجمة؟ فيأتي الجواب بأنها دلت على كذا،
فهذا أيضا يكون سؤالا مطروحا
مع السؤال الأول للإخوة المستمعين
والمتابعين معنا، ولعلنا –إن شاء الله-
نتلقى إجاباتهم عليه في حلقتنا
القادمة والله تعلى أعلم.


هناك بعض الأسئلة ... ووصل
العديد من
إجابة سؤال الحلقة الماضية منها: إحدى الإجابات ذكرت نبذة
مختصرة عن الشيخ
محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله تعالى- وذكرت كذلك له
بعض المؤلفات. أيضا
أخرى أجابت عن الإجابة التي هي عبارة عن نبذة عن الشيخ محمد
بن عبد
الوهاب -رحمه الله تعالى- وكذلك نبذة عن الشيخ عبد الرحمن بن سعدي
وعن
كتابه القول السديد.


نسمع مقطعا من النبذة هذه عن الكتاب في حدود
سطرين.

وكان كتاب القول السديد في شرح كتاب
التوحيد
شرحا مختصرا مفيدا جامعا نافعا لكتاب التوحيد للشيخ محمد بن عبد
الوهاب
-رحمه الله تعالى- بدأ بمقدمة مختصرة تحتوى على مجملات عقائد أهل
العلم
في الأصول وتوابعها، ثم بدأ بشرح كتاب التوحيد حسب ترتيب المؤلف في
الأبواب،
فصل فيه -رحمه الله تعالى- ما أوجزه الشيخ محمد بن عبد الوهاب
-رحمه
الله تعالى- في الأبواب والمسائل الملحقة بكتاب التوحيد، فكان يقف
-رحمه
الله تعالى- عند بعض المسائل التي تحتاج مزيدا من التبيان ويفصل فيها

تفصيل العالم المتقن، إلا أن منهجه في العموم منهج الشرح المختصر المفيد


جميل، أيضا لو
أنها نصت على أن مقصد هذا الكتاب ليس الشرح
والتفصيل، وإنما مقصده بيان
مقاصد الكتاب بإيجاز واختصار.

هناك بعض الأسئلة، يقول
هذا السائل:
ما
 الموضوع : دروس شرح كتاب التوحيد فضيلة الشيخ/ عبد الرزاق بن عبد المحسن العباد البدر  المصدر :منتديات تقى الإسلامية  الكاتب:  El Helalya

 توقيع العضو/ه:El Helalya

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

El Helalya
المؤسسة

المؤسسة
El Helalya


المشاركات :
22515


تاريخ التسجيل :
08/08/2008


الجنس :
انثى

البلد :
مصر

sms :
سبحان الله

ـــــــــــ


ــــــــــــــ


دروس شرح كتاب التوحيد فضيلة الشيخ/ عبد الرزاق بن عبد المحسن العباد البدر _
مُساهمةموضوع: رد: دروس شرح كتاب التوحيد فضيلة الشيخ/ عبد الرزاق بن عبد المحسن العباد البدر   دروس شرح كتاب التوحيد فضيلة الشيخ/ عبد الرزاق بن عبد المحسن العباد البدر Emptyالخميس 19 أغسطس 2010 - 18:44 


الدرس الرابع:التوحيد:فضيلة
الشيخ/
عبد الرزاق بن عبد المحسن العباد البدر

التوحيد
هو أعظم الوصايا، وهو حق الله تعالى على عباده.

فلما بين الإمام
شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله- مكانة التوحيد
شرع في
الباب الذي هو موضوع درسنا في هذا اللقاء -شرع في بيان فضل التوحيد

وآثاره العظيمة وثماره المباركة في الدنيا والآخرة، فعقد هذه الترجمة التي
هي موضوع درسنا، ونستمع الآن إلى عنوان الباب، وأيضًا الأدلة التي ساقها
المؤلف
-رحمه الله- في هذا الباب.

قال المصنف -رحمه الله تعالى-: (باب
فضل التوحيد وما يكفر من الذنوب، وقول
الله تعالى:
﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ
يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ
بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الأمْنُ وَهُم
مُّهْتَدُونَ ﴿82﴾﴾).


قال المؤلف -رحمه الله-: (باب فضل التوحيد وما يكفر
من
الذنوب)


في لقائنا السابق عرفنا أن
الباب هو
المدخل إلى الشيء، وفي العلم يعقد المصنفون وأهل العلم أبوابا
عديدة
يكون كل بابا منها جامعًا لمسائل أو دلائل تختص بالترجمة التي هي
عنوان
الباب، وعرفنا أن الشيخ -رحمه الله- قسم كتابه التوحيد إلى أبواب
تزيد
على الستين بابا، فهذا الباب عقده لبيان فضل التوحيد، قال: (باب فضل
التوحيد
وما يكفر من الذنوب) فضل التوحيد، أي: فضائله لأن التوحيد له فضائل

كثيرة، ومنافع عديدة، وآثار طيبة، والمفرد إذا أضيف -القاعدة فيه عند أهل
العلم-
يعم، فـ"باب فضل التوحيد" أي: باب عقد لبيان فضائل التوحيد وثماره
وآثاره
المباركة التي لا تعد ولا تحصى.

قال:
(وما يكفر من
الذنوب) ما يكفر هنا "ما" يحتمل أن يكون مصدرية ويحتمل
أن يكون موصولة، إذا
كانت موصولة يكون الباب (باب فضل التوحيد) والذي
يكفره من الذنوب، وإذا
كانت مصدرية يكون الباب باب فضل التوحيد وتكفيره
الذنوب، والأولى أن تقدر
مصدرية؛ لأنها إذا قدرت موصولة قد يتوهم أو
يظن أن التوحيد يكفر بعض الذنوب
لا بعض، باب فضل التوحيد والذي يكفره
من الذنوب، فقد يتوهم أو يظن أنه
يكفر بعضًا دون بعض، وليس هذا هو
المراد؛ ولهذا قال أهل العلم: الأولى أن
يكون تقديرها مصدرية لا
موصولة.

(باب فضل التوحيد وما يكفره من الذنوب) أي أن من فضائل
التوحيد تكفير
الذنوب، وهذا كما بين أهل العلم من عطف الخاص على العام،
ما معنى ذلك؟
التوحيد له فضائل كثيرة من جملة هذه الفضائل ماذا؟
تكفيره الذنوب، من جملة
هذه الفضائل تكفيره للذنوب، فالتوحيد له فضائل
سيأتي معنا في هذه الترجمة
جملة مباركة منها، ومن جملة هذه الفضائل أن
التوحيد يكفر الذنوب وسيأت
الدليل عليه.

بدأ أولَ ما بدأ في
سَوْق الأدلة على هذه الترجمة بإيراد قول الله -سبحانه
وتعالى- في سورة
الأنعام ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا
إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ
أُولَئِكَ لَهُمُ الأمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ ﴿82﴾﴾
[الأنعام: 82] وهذه
الآية الكريمة تدل على فضيلة عظيمة للتوحيد ألا وهي أن
التوحيد سبب
الأمن والاهتداء في الدنيا والآخرة، لأن الله -عز وجل- ختم
الآية
بقوله: ﴿ أُولَئِكَ لَهُمُ الأمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ﴾ إذن هاتان
فضيلتان
للتوحيد أنه سبب للأمن وسبب للاهتداء.

قال: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا
وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾
﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ
يَلْبِسُو﴾ ما معنى ﴿يَلْبِسُو﴾؟ أي: يخلطوا،
واللبس الخلط، آمن دون أن
يخلط إيمانه، واللبس هو ما يغطي الشيء ويحيط به،
وليس من الذنوب ما من
شأنه أن يغطي الإيمان ويمسح أثره إلا الشرك؛ ولهذا
فإن المراد بالظلم
في الآية هو الشرك لا سائر الذنوب، فقوله: ﴿الَّذِينَ
آمَنُوا وَلَمْ
يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ أي: لم يخلطوا إيمانهم
بشرك، وقد
جاء في السنة الصحيحة عن النبي -صلى الله عليه وسلم- تفسير الظلم
بذلك؛
لأن الصحابة كما في المسند وغيره لما نزلت هذه الآية شق عليهم
أمرها،
لما نزل قول الله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا
إِيمَانَهُمْ
بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الأمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ ﴿82﴾﴾
شق أمر
الآية على الصحابة، وأتوا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وقالوا:
يا
رسول الله، أينا لم يظلم نفسه؟ ظنوا أن المراد بالظلم ماذا؟ ظنوا أن
المراد
بالظلم ظلم النفس بفعل المعاصي، وهنا ينبغي أن نعلم -معاشر الإخوة-
أن
الظلم ثلاثة أنواع، ودواوين الظلم يوم القيامة في ثلاثة، وهذا ثبت به
حديث
عن النبي -عليه الصلاة والسلام- قال: (دواوين الظلم ثلاثة: ديوان لا
يغفره
الله، وديوان لا يتركه الله، وديوان لا يعبأ الله به؛ أما الديوان
الذي
لا يغفره الله فهو الشرك، وأما الديوان الذي لا يتركه الله فهو ظلم
العباد
بعضهم لبعض حتى يقتص للمظلوم من ظالمه، وأما الديوان الذي لا يعبأ
الله
به فهو ظلم العبد لنفسه فيما دون الشرك) .

الآن عرفنا دواوين الظلم
الثلاثة، الآية ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ
يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ
بِظُلْمٍ﴾ ما المراد بالظلم هنا؟ النوع الأول،
نأخذ هذا التفسير من
السنة؛ لأن الصحابة سألوا النبي -صلى الله عليه وسلم-
عن الآية ففسر
لهم ذلك قال: (ليس هذا أما قرأتم قول العبد الصالح: ﴿يَا
بُنَيَّ لاَ
تُشْرِكْ بِاللهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾) [لقمان:
13]
والمراد بالظلم هنا في الآية تحديدا الشرك بالله، ويأتيكم هنا سؤال
لماذا
سمي الشرك في الآية وفي آيات عديدة بالظلم؟ لماذا سمي ظلما؟ لأن
الظلم
وضع الشيء في غير موضعه، الظلم هو وضع الشيء في غير موضعه، فهل هناك
أعظم
من أن يضع الإنسان العبادة في غير موضعها، العبادة حق لله فإذا صرفت
لغير
الله وضعت في غير موضعها وهذا أظلم الظلم؛ ولهذا الشرك ظلم بل هو أظلم
الظلم، وقد قال تعالى: ﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة:
254]
﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: 13] فالشرك ظلم؛ بل هو
أظلم
الظلم، وقوله ﴿لَمْ يَلْبِسُو﴾ أيضًا كما استنبط بعض أهل العلم من
قوله:
﴿لَمْ يَلْبِسُو﴾ استنبط أن المراد بالظم هنا الشرك؛ لأن الذي يلبس
الشيء
هو ما يغطيه، وليس شيء يغطي الإيمان ويعفي أثره مثل الكفر والشرك
بالله.


﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ أي:
لم
يخلطوا توحيدهم وإيمانهم بشرك ما هي الثمرة؟ ﴿أُولَئِكَ لَهُمُ
الأمْنُ
وَهُم مُّهْتَدُونَ﴾ إذن الأمن والاهتداء ثمرة للتوحيد والبعد
عن الشرك
وهذا هو مقصود الترجمة، إذن الآية دلت على أن أهل التوحيد
البعيدين عن
الشرك هم أهل الأمن وأهل الاهتداء في الدنيا والآخرة.


هنا نريد أن نصل إلى فائدة، تؤخذ من الآية ما هي
أقسام
الناس من حيث تحصيلهم للأمن والاهتداء في الدنيا والآخرة؟ ما القسمة
التقديرية
هنا؟ ما هو حظ الناس من الأمن والاهتداء في الدنيا والآخرة؟ على
قدر
التوحيد، هذا الجواب موجز ودال على المقصود، على قدر التوحيد، لكن على
وجه
التفصيل جوابًا على هذا السؤال نقول: الناس في حظهم من الأمن والاهتداء
ينقسمون إلى ثلاثة أقسام:


قسم أهل
الأمن التام والاهتداء التام: وهؤلاء هم
الذين لم يخلطوا إيمانهم بشرك
وأيضًا كملوا إيمانهم وتمموه بالعبد عن
الذنوب والبعد عن المعاصي
والتوبة منها وحسن الإقبال على الله -سبحانه
وتعالى- فهؤلاء ما هو حظهم
من الاهتداء؟ التام الكامل.


القسم
الثاني: عنده التوحيد ولكنه ظلم نفسه بالمعاصي
والذنوب، فهذا ينتفي عنه
الأمن والاهتداء كلية أو له حظ من الأمن
والاهتداء؟ له حظ من الأمن
والاهتداء، إذن إيمانه ناقص فأمنه واهتداؤه ناقص
مثلما قال زميلكم:
بحسب قدر التوحيد وقدر الإيمان.


والقسم
الثالث: من ليس له أمن ولا اهتداء وهو من؟
المشرك.


إذن
نقول: من جاء بالإيمان
التام فله الأمن والاهتداء التام، ومن جاء
بالإيمان الناقص فله أمن واهتداء
ناقص بحسب إيمانه، ومن لا إيمان له
فلا أمن له ولا اهتداء.

إذن هي ثلاثة، ومن هذا أيضًا ندرك فضيلة
التوحيد ومكانة الإيمان، وأن من
آثاره الحميدة وعوائده الطيبة أن صاحبه
له الأمن وله الاهتداء في الدنيا
والآخرة.


والآن
ننتقل إلى الدليل
الثاني عند المصنف -رحمه الله-.

قال المصنف
-رحمه الله-: (عن عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله -صلى الله
عليه
وسلم-: (من شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدًا عبده
ورسوله،
وأن عيسى عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، والجنة
حق
والنار حق أدخله الله الجنة على ما كان من العمل) أخرجه)

هذا
الحديث العظيم حديث عبادة بن الصامت قال عنه الإمام النووي صاحب رياض
الصالحين
وصاحب الأربعين إمام مشهور، قال: هذا الحديث من أجمع أو أجمع
الأحاديث
المشتملة على العقائد. وفعلا حديث جامع، جامع لعقائد الإيمان
وموجبات
دخول الجنة، وقد ختمه النبي -صلى الله عليه وسلم- بقوله: (أدخله
الله
الجنة على ما كان من العمل) والشاهد من الحديث للترجمة قوله: (أدخله
الله
الجنة) أي: أدخله الله الجنة، فهذه ثمرة من ثمار التوحيد المباركة،
أنه
سبب لدخول الجنة، وصاحب التوحيد هو من أهل الجنة ومآله إلى جنات
النعيم،
والحديث اشتمل على بيان توحيد الله -عز وجل- بالعبادة وإخلاص الدين

له، وأيضًا تجريد المتابعة والإيمان بالرسول -عليه الصلاة والسلام- وغير
ذلك
من أمور الإيمان التي يأتي بيانها على وجه الاختصاص.

بدأ

أول ما بدأ -عليه
الصلاة والسلام- بهذه الإيمانيات العظيمة والعقائد
المتينة في هذا الحديث،
بدأ أول ما بدأ بقوله: (من شهد أن لا إله إلا
الله) وهذا أعظم المطالب وأجل
المقاصد على الإطلاق شهادة أن لا إله إلا
الله.

شهد أن لا إله إلا الله أي: أقر واعترف وآمن وأذعن بأن لا
إله إلا الله،
وهذه الشهادة تتطلب من الشاهد حتى تكون شهادته حقًا
وصدقا -تتطلب منه أمورا
ثلاثة: العلم، والعمل والصدق، العلم بما شهد،
والعمل بما شهد، وأن يكون
أيضًا صادقا في هذه الشهادة، فهذه أمور ثلاثة
لابد منها.

فمن شهد أن لا إله إلا الله حتى تكون شهادته أن لا إله
إلا الله صحيحة
مقبولة، مجزية نافعة لابد من أمور ثلاثة: علم وعمل
وصدق، فإذا كانت شهادته
عن علم كما قال الله -عز وجل-: ﴿إِلاَّ مَن
شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ
يَعْلَمُونَ﴾ [الزخرف: 86] قال بعض المفسرين:
إلا من شهد أن لا إله إلا
الله وهم يعلمون ما شهدوا به، وجاء في صحيح
مسلم من حديث عثمان -رضي الله
عنه-: (من مات وهو يعلم أنه لا إله إلا
الله دخل الجنة) فلابد من العلم
﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ
اللهُ﴾ [محمد: 19] لابد من العلم.

ولابد من العمل، لا إله إلا الله
لها مقتضيات وموجبات، مقتضيات لهذه
الشهادة، فلابد من العمل بها.

ولابد
أيضًا أن يكون قائلها صادقا لا يشهد بها بلسانه بل بل يواطئ قلبه
لسانه،
يكون صادقا من قلبه، وقد ثبت عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه
قال:
(من شهد أن لا إله إلا الله صادقا من قلبه دخل الجنة).

لاحظوا معي
"لا إله إلا الله" إنما تكون نافعة مجزية الشهادة بها، إذا
توفرت أمور
ثلاثة: العلم والعمل والصدق، إذا وجد العلم خرج الإنسان وبرئ من
طريقة
النصارى الذين يعملون ولا يعلمون على ضلالة، وإذا وجد العمل خرج من
طريقة
اليهود الذين يعلمون ولا يعملون، وقد جاء في حديث يرفع إلى النبي
-صلى
الله عليه وسلم-: أنه قال: (من فسد من علمائنا ففيه شبه من اليهود،
ومن
فسد من عبادنا ففيه شبه من النصارى) لماذا؟ لأن أولئك يغلب عليهم العلم
بلا عمل، وأولئك يغلب عليهم العمل بلا علم.

فإذن الشهادة لابد من
علم حتى يخرج من طريقة أهل الضلال الذين يعملون بلا
علم، ولابد فيها من
العمل حتى يخرج من طريقة المغضوب عليهم الذين يعلمون
ولا يعملون، ونحن
في كل صلاة نسأل الله أن يهدينا الصراط المستقيم، صراط
الذين أنعم
الله عليهم، غير المغضوب عليهم ولا الضالين، المغضوب عليهم من
عندهم
علم بلا عمل، والضالون من عندهم عمل بلا علم.

فإذن لابد من العلم
حتى نخرج من طريقة أهل الضلال ولابد من العمل حتى نخرج
من طريقة
المغضوب عليهم؛ لأن الذي يعلم ولا يعمل يغضب الله عليه، والذي
يعمل بلا
علم ضال، فإذن لابد من العلم ولابد من العمل، ولابد من الأمر
الثالث
وهو الصدق حتى يخرج من طريقة من؟ المنافقين الذين يظهرون ما لا
يبطنون
﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ﴾ لاحظ الكلمة
﴿نَشْهَدُ﴾
﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ
لَرَسُولُ
اللهِ وَاللهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللهُ يَشْهَدُ
إِنَّ
الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ ﴿1﴾﴾ [المنافقون: 1] كاذبون في ماذا؟
في
صدقهم، كاذبون في صدقهم؛ لأن ما نطقوا به يخالف قلوبهم، ولهذا أهل العلم
قالوا: لا إله إلا الله لها لفظ ولها معنى، فلا يقبل اللفظ بدون المعنى،
لابد
أن يتلفظ الإنسان بها، ولابد أن يفهم معناها، وأن يحقق معناها، وأن
تكون
نابعة من قلبه، إذن هذا هو معنى الشهادة: "أشهد أن لا إله إلا الله"
يعلم
ويكون صادقا بهذه الشهادة ومحققا لمقتضياتها، وسيأتي معنا أيضًا أن
هذه
الكلمة لا تكون مقبولة من قائلها إلا بشروط ذكرها أهل العلم مأخوذة
بالاستقراء
لكتاب الله وسنة نبيه -عليه الصلاة والسلام-.

(من شهد أن لا إله
إلا الله) لا إله إلا الله قلنا ونؤكد: أن كلمة التوحيد
تتضمن النفي
والإثبات وهما ركنان للتوحيد، لا قيام للتوحيد إلا عليهما،
النفي في
قوله: "لا إله" والإثبات في قوله: "إلا الله قلت لكم في لقائنا
السابق:
من وجد منه النفي دون الإثبات ما حكمه؟ ومن وجد منه الإثبات دون
النفي
ما حكمه؟

من وجد منه الإثبات دون النفي مشرك، ومن وجد معه النفي
دون الإثبات هذا
ملحد.

أحسنت، إذن لا توحيد إلا بنفي وإثبات،
نفي العبادة عن كل من سوى الله،
وإثباتها لله وحده (لا إله إلا الله)
هذا المعنى إذا لم يفهم ونطق الإنسان
بهذه اللفظة هل يكون حققها؟ إذا
نطق الإنسان باللفظ لا إله إلا الله لكنه
لا يدرك ما تدل عليه هذه
الكلمة من النفي والإثبات؟ المشركون الذين بعث
فيهم رسول الله -صلى
الله عليه وسلم- لما قال لهم: (قولوا لا إله إلا الله
تفلحو) فهموا وهم
عرب خلص يعرفون دلالة الألفاظ ومعانيها لما قال لهم:
(قولوا لا إله
إلا الله تفلحو) ماذا قالوا: ذكر الله -عز وجل- جوابهم في
القرآن:
﴿أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ
عُجَابٌ
﴿5﴾﴾ [ص: 5] من أين قالوا: ﴿أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدً﴾
من
أين أخذوا هذا؟ من كلمة "لا إله إلا الله" عرفوا أن "لا إله إلا الله"
تنفي
العبادة عن كل من سوى الله، تنفيها عن اللات، عن العزى، عن مناة، عن
كل
ما يعبد، وتثبت لله وحده ففهموا الكلمة فقال: ﴿أَجَعَلَ الآلِهَةَ
إِلَهًا
وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ ﴿5﴾﴾ [ص: 5] وأخذوا يتواصون

بينهم بأن يكون بينهم صبر على الآلهة وعبادة الآلهة وألا يدخلوا في هذا
الدين
الجديد ﴿وَانطَلَقَ الْمَلأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا
عَلَى
آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ ﴿6﴾﴾ [ص: 6] يعني: يراد
بكم
أمر فلا تنخدعوا ولا تنغروا ولا يخدعكم ﴿إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ﴾
إذن هم مجرد أن قال لهم النبي -عليه الصلاة والسلام-: (قولوا لا إله إلا
الله
تفلحو) فهموا المعنى، أبو سفيان لما ذهب إلى الشام وسأله هرقل إلى أي
شيء
يدعوكم؟ ماذا قال سفيان؟ قال: يقول: اعبدوا الله ولا تشركوا به شيئًا،
من
أين جاء بهذه الكلمة اعبدوا الله ولا تشركوا به شيئًا؟ من لا إله إلا
الله
يسمعه يقول: (قولوا: لا إله إلا الله تفلحو) وفَهِمَ المعنى، فَفَهْم
المعنى
لابد منه حتى يكون الإنسان من أهل هذه الكلمة، فهْم مدلول هذه
الكلمة،
والعمل بها والصدق بقولها.

ثم قال: (ومن شهد أن محمدًا رسول الله)
الشهادة لنبينا -صلى الله عليه
وسلم- بالرسالة.

عفوا يا شيخ
هذا الحديث ينطبق على ما ذكرتم أن آيات التوحيد تكون في بداية
الآية في
بداية السياق، مصدرة في الآيات، نجد أنها كذلك هنا في التوحيد في
بداية
الحديث (من شهد أن لا إله إلا الله).

ما ذكرناه في القرآن أيضًا
يأتي في أحاديث كثيرة، عندما يذكر النبي -صلى
الله عليه وسلم- الأوامر
يبدأ بالتوحيد (يا معاذ، إنك تأتي قومًا أهل كتاب
فليكن أول ما تدعوهم
إليه شهادة أن لا إله إلا الله) ثم ذكر الصلاة ثم
الزكاة (ألا أخبركم
بأكبر الكبائر؟) بدأ بالشرك بالله ثم ذكر عقوق
والوالدين ثم ذكر شهادة
الزور(اجتنبوا السبع الموبقات) أول ما بدأ ذكر
الشرك ثم ذكر وهكذا،
فدائما في الكتاب والسنة الأوامر والنواهي تبدأ
النواهي بالتوحيد وتبدأ
النواهي بالنهي عن الشرك.


(قال: (من شهد أن لا
إله إلا
الله وأني رسول الله)) هنا الشهادة للنبي -صلى الله عليه وسلم-
بالرسالة
أرسل لأجل ماذا؟ حتى نعرف معنى الشهادة له بالرسالة؟ أرسل
لماذا؟ قال الله
تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ ...﴾
أكلموا الآية ﴿ ...
إِلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللهِ﴾ [النساء: 64]
الرسل أرسلوا لأجل أن
يطاعوا، إذن مقتضى الشهادة له بالرسالة طاعته؛
ولهذا قال الشيخ -رحمة الله
عليه- في كتابه "الأصول الثلاثة": "شهادة
أن لا إله إلا الله" طاعته فيما
أمر، وتصديقه فيما أخبر، والانتهاء عما
نهى عنه وزجر، وألا يعبد الله إلا
بما شرع، فهذه شهادة أن محمدًا رسول
الله -صلى الله عليه وسلم- الطاعة،
الأوامر تفعل النواهي تترك وتجتنب
والأخبار تصدق ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن
رَّسُولٍ إِلاَّ لِيُطَاعَ
بِإِذْنِ اللهِ﴾ [النساء: 64]

لاحظوا معي هنا، قال: (ومن شهد أن
محمدًا عبده ورسوله) ذكر أمرين نشهد
لنبينا -صلى الله عليه وسلم- بهما
العبودية والرسالة، وهو -صلوات الله
وسلامه عليه- كمل مقام العبودية
أكمل تتميم، وأيضًا كمل مقام الرسالة أكمل
تتميم، ووفى -عليه الصلاة
والسلام- بالعبودية وقام بها خير قيام، وأيضًا
وفى بالرسالة فبلغ أكمل
بلاغ -صلوات الله وسلامه عليه-.

(شهد أن محمدًا عبده ورسوله) هذه
الشهادة له -عليه الصلاة والسلام-
بالعبودية والرسالة تعطي الشاهد
اعتدالا في هذا الباب، بين الغلو والجفاء
والإفراط والتفريط، والناس في
هذا الباب ثلاثة أقسام: غالٍ وجافٍ ومتوسط،
وخيار الأمور ماذا؟
أوساطها لا تفريطها ولا إفراطها، فالذي يشهد بأنه عبد
ورسول يكون
معتدلا فيه، لاحظوا معي: من شهد أنه عبد هل العبد يُعْبَد؟! هل
يصرف له
شيء من العبادة؟! إذن ينتفي الغلو في إيمان الإنسان بأنه عبد
إيمانه
﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ﴾ [الكهف:
110]
﴿بَشَرٌ﴾ عبد ﴿يُوحَى إِلَيَّ﴾ رسوله، فالذي يؤمن يؤمن بأنه عبد،
العبد
لا يُعْبَد، الله المعبود، العبد لا يُعْبَد؛ لأن العبادة للمعبود
وهو
الله -سبحانه وتعالى- العبد لا يُعْبَد، لا يستحق شيء من العبادة،
ولهذا
يقول -عليه الصلاة والسلام- لابن عباس: (يا غلام، إذا سألت فاسأل
الله،
وإذا استعنت فاستعن بالله) السؤال الاستعانة العبادة كلها لله -عز
وجل-
العبد لا يُعْبَد، فالذي يخل بهذا المقام مقام الإيمان والشهادة لأن
النبي
-عليه الصلاة والسلام- رسول الله قد يغلو فيه، ويصرف له شيئا من
العبادة
مثل أن يقول: مددا يا رسول الله أو أغثني أو أدركني مثلما يفعل
الكثير
من الظلام، فهل هؤلاء حققوا إيمانهم بأنه عبد؟ لو حققوا إيمانهم
بأنه
عبد لم يعطوه شيئا من حقوق الرب، حقوق الإله -سبحانه وتعالى-.

إذن
العبد لا يُعْبَد، فمن حقق مقام الإيمان بالعبودية بأن النبي -صلى الله
عليه وسلم- عبد يسلم من جانب الغلو، ومن حقق الإيمان بأنه الرسول يسلم من
جانب
الجفاء، التهاون باتباعه، التهاون بمحبته، التهاون بطاعته، التهاون
بالاقتداء
به، التهاون بالسير على نهجه، هذا كله يأتي من ضعف تحقيق الإيمان

برسالته -عليه الصلاة والسلام- الغلو، الذي يأتي عند طوائف من الناس يدخل
عليهم
من جهة عدم تحقيقهم الإيمان بعبوديته، فإذن الإيمان بأنه عبد الله
ورسوله
يعطي المؤمن اعتدالا ووسطية، الوسطية في شأن النبي -صلى الله عليه
وسلم-
تنبع من إيمان المسلم بهذين الأمرين بالعبودية والرسالة "وأشهد أن
محمدًا
عبده ورسوله".

ثم قال: (وشهد أن عيسى عبد الله ورسوله) أيضًا في
عيسى -عليه السلام- لا
إفراط ولا تفريط (عبد الله ورسوله) "عبد الله"
هذا يبطل الغلو الذي وقع فيه
النصارى في شأن نبي الله عيسى، ماذا
قالوا؟ قالوا: ابن الله، قالوا: ثالث
ثلاثة، وهذا غلو، هو عبد من عبيد
الله وهو مخلوق لله -سبحانه وتعالى- خلقه
الله وأوجده فهو عبد من عبيد
الله فلا يقال في العبد أنه ابن لله أو ثالث
ثلاثة أو غير ذلك من
الضلالات التي يقولها النصارى.

(ورسوله) فيه رد على اليهود وأيضًا
جميع الجفاة في حقه، اليهود -قاتلهم
الله- قالوا: إنه ابن بغي والعياذ
بالله، فهل يقال هذا في رسول من أولي
العزم من الرسل؟ خيارٌ من أفاضل
عباد الله هل يقال فيه هذا؟ هذا من الجفاء،
ومقالة النصارى فيه من
الغلو، والاعتدال في ماذا؟ في الوسطية.

جاء في بعض روايات الحديث:
(من شهد أن عيسى عبد الله ورسوله وابن أمته)
وهذا فيه رد على اليهود،
الشاهد إذن لابد من الوسطية.

قال: (وابن أمته وكلمته ألقاها إلى
مريم وروح منه) عيسى كلمة الله، ما معنى
عيسى كلمة الله؟ هل عيسى هو
نفس الكلمة؟ لا ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ
اللهِ كَمَثَلِ آدَمَ
خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ
فَيَكُونُ ﴿59﴾﴾ [آل
عمران: 59] فعيسى بالكلمة كان، ليس عيسى -عليه السلام-
هو الكلمة، ليس
عيسى هو كلمة "كن" وإنما بالكلمة كان، وقيل: كلمة الله
لأنه بالكلمة،
فالمصدر إذا أضيف إلى الله قد يراد به الصفة وقد يراد به أثر
الصفة
وهذه فائدة، المصدر مثل "الرحمة" إذا أضيفت إلى الله تارة يراد بها
الصفة
وتارة يراد بها أثر الصفة وهذا يعلم من السياق، عندما نقول: المطر
رحمة
الله ما معنى قولنا رحمة الله؟ آثر الرحمة، هنا نقول: عيسى كلمة الله
هل
المراد أنه نفس الكلمة ولا أثر الكلمة؟ أثر الكلمة، إذن عيسى كلمة الله
أي:
أثر كلمة الله لأنه بالكلمة كان، قال الله كن فكان، فليس عيسى هو كلمة
كن،
ولكنه بالكن كان، قال الله كن فكان.

(كلمته ألقاها إلى مريم) لأن
الله -عز وجل- أرسل جبريل إلى مريم ونفخ في
ضرعها، ولهذا قال: ﴿ورُوْحٌ
مِنْهُ ﴾ روح من الأرواح المخلوقة التي خلقها
الله -سبحانه وتعالى-.

(ألقاها
إلى مريم) أرسل جبريل ونفخ في ضرعها وتكون عيسى -عليه السلام- من
أم
بلا أب، والله -عز وجل- قدير على كل شيء، فعيسى ولد وتكون في رحم مريم
بدون
أب، ولما حملت به اهتمت بالأمر وقالت ماذا؟ ماذا قالت مريم؟ ﴿يَا
لَيْتَنِي
مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنتُ نَسْيًا مَّنسِيًّا ﴿23﴾﴾ [مريم: 23]
وأتت
به قومها تحمله وهي في غاية الهم من هذا الأمر؛ لأنها ماذا تقول؟
لأنه
في مألوف الناس وفي معتادهم ومعروفهم فيما يعرفون أنه ما يمكن أن يكون
حمل وهي غير متزوجة فالتهمت بالبغي، فهي حملت هما عظيمًا، فيشاء رب
العالمين
أن تكون الحجة والبيان بإنطاق عيسى وهو في المهد ﴿فَأَتَتْ بِهِ
قَوْمَهَا
تَحْمِلُهُ﴾ تكملوا الآية؟ ﴿قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ
شَيْئًا
فَرِيًّا ﴿27﴾ يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ
سَوْءٍ
وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا ﴿28﴾﴾ [مريم: 27، 28] يعني: أنت من
بيت
صالح من أين جاءكي هذا الأمر؟ وهذا أيضًا فيه فائدة من صلاح البيت،
صلاح
البيت له أثر في صلاح الأبناء، وتجد الابن يهتم لأسرته الصالحة لا
يلطخهم
بسمعة ولا يجر لهم رذيلة فقالوا لها: ﴿مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ
سَوْءٍ
وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا ﴿28﴾ فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ﴿29﴾﴾
[مريم:
28، 29] الجواب تشير إلى الطفل الذي في المهد، والطفل الذي في المهد

ما يتكلم، أيضًا هذا معروف أنه ما ينطق إلا فيما بعد، يتعلم الكلام
تدريجيا
وينطق تدريجيا ﴿فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ﴾، وقال هذا الطفل -عليه
السلام-
قال في مهده ﴿إِنِّي عَبْدُ اللهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي

نَبِيًّا ﴿30﴾ وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَمَا كُنتُ وَأَوْصَانِي
بِالصَّلاَةِ
وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا ﴿31﴾ وَبَرًّا بِوَالِدَتِي
وَلَمْ
يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا ﴿32﴾﴾ [مريم: 30، 32] ذكر أشياء
نطقها
في المهد، وهذه حجة ظاهرة، والله -عز وجل- أقام عليهم الحجة بنطق
هذا،
براءة لها، الشاهد أن عيسى نؤمن بأنه عبد الله ورسوله وكلمته على ما
فهمنا
قبل قليل .

(وروح ومنه) أي: من الأرواح التي خلقها الله -سبحانه
وتعالى- مثلما قال
الله: ﴿وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ
وَمَا فِي الأَرْضِ
جَمِيعًا مِّنْهُ﴾ [الجاثية: 13] أي: خلقا وإيجادا،
فهو منه خلقا وإيجادا.

ثم قال: (وأن الجنة حق والنار حق) أيضًا آمن
بالجنة وآمن بالنار، وهذا فيه
أيضًا الإيمان بالثواب والجزاء ولقاء
الله -عز وجل- وإثابته للمطيعين
ومعاقبته للعاصين والاستعداد لهذا
اليوم العظيم، من وجد فيه هذه الإيمان
وهذه العقائد المباركة ما هي
الثمرة؟ أدخله الله الجنة على ما كان من العمل
وهذا الشاهد للترجمة، أن
العقيدة والإيمان والتوحيد الصحيح والإيمان
الخالص سبب لدخول الجنة.

قال
المصنف -رحمه الله-: (ولهما في حديث عتبان: (فإن الله حرم على النار من
قال: لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله)).

(ولهم) أي: البخاري
ومسلم، لأن حديث عبادة بن الصامت، قال: أخرجاه، ثم عطف
عليه قال:
(ولهم) أي: البخاري ومسلم من حديث عتبان، عتبان بن مالك -رضي
الله عنه-
والحديث طويل لكن المؤلف اقتصر على ذكر الشاهد: ((إن الله حرم
على
النار من قال: لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله)) هذا الحديث
يعطينا
فائدة عظيمة وثمرة مباركة من ثمار التوحيد أن الموحد ماذا؟ محرم على

النار، أن الموحد محرم على النار لأنه قال: ((إن الله حرم على النار من
قال:
لا إله إلا الله)) لكن هنا لابد أن نعرف وأن ننتبه، هل كل من يقول لا
إله
إلا الله يحرم على النار؟ أو لابد من تحقيق ضوابط هذه الكلمة وشروطها
التي
دل عليها كتاب الله وسنة نبيه -عليه الصلاة والسلام- لاحظ هنا قال:
((من
قال: لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله)) فإن قال: يبتغي بها وجه
الله
فأتى بها على الإخلاص وعلى الصدق وعلى إرادة الله -سبحانه وتعالى-
بالعمل
هذا الذي ينال ثواب هذه الكلمة؛ ولهذا أخذًا من هذا الحديث وأحاديث
كثيرة
في الباب قال العلماء: إن لا إله إلا الله لا تقبل من قائلها إلا
بشروطها،
لها شروط، وكلكم الآن يعلم أن الصلاة لا تقبل إلا بماذا؟ إلا
بشروط،
الحج لا يقبل إلا بشروط الزكاة لا تقبل..... ولهذا تقرأ كتب الأحكام
كل
عبادة يذكر الفقهاء والعلماء شروط قبول العبادة، فهل لا إله إلا الله
تقبل
هكذا، وإلا لابد أيضًا من شروط لها تكون بها مقبولة مثلها مثل أمور
الدين
الأخرى، نصوص الشرع نصوص الكتاب والسنة دلت على أن "لا إله إلا الله"

لا تقبل من قائلها إلا بشروط سبعة، وكل شرط من هذه الشروط وردت عليه
الدلائل
الكثيرة من كتاب الله وسنة نبيه -صلى الله عليه وسلم-.

نختصر
فيها، نذكرها سردا، وإلا أدلتها وشرحها فيحتاج إلى شيء من الوقت.

الشرط
الأول: العلم المنافي للجهل.

والثاني: اليقين المنافي للشك.

والثالث:
الصدق المنافي للكذب.

والرابع: الإخلاص المنافي للشرك والرياء.

والخامس:
المحبة المنافية للبغض والكره.

والسادس: الانقياد المنافي للترك.

والسابع:
القبول المنافي للرفض.

كما قال الناظم.

وبشروط سبعة قد
قيدت وفي نصوص الوحي حقًا وردت

فإنه لا ينتفـع قائهــا بالنطق إلا
حيث يستكمله

العلم واليقين والقبول والانقياد فادرِما أقـول

والصدق
والإخلاص والمحبة وفقك الله لما أحبـه

وتجدون هذه الأبيات مع شرح
نافع لها في كتاب عظيم في بيان الإيمان والتوحيد
كتاب معارج القبول
للشيخ حافظ حكمي -رحمه الله- وهو كتاب من أنفع الكتب
وأفيدها وفيه بسط
للأدلة وشرح وجامع لأمور الإيمان كلها.

إذن حديث عتبان دل على
فائدة من فوائد التوحيد وهي ماذا؟ التحريم على
النار، إذن الآية الأولى
دلت على أن من ثمار التوحيد حصول الأمن والاهتداء،
الحديث الأول دل
على أنه من ثمار التوحيد دخول الجنة، حديث عتبان دل على
أن من ثمار
التوحيد تحريم دخول النار، لكن لابد من تحقيق لا إله إلا الله
بتحقيق
شروطها وضوابطها في كتاب الله وسنة نبيه -صلى الله عليه وسلم-.

أحد
العلماء جمع شروط لا إله إلا الله السبعة في بيت واحد، وهذا أتركه
للإخوة
المتابعين معنا، ما هو البيت الذي جمع فيه أحد أهل العلم الشروط
السبعة
كاملة؟ هو بيت واحد جمع هذه الشروط السبعة كاملة؟

قال المصنف
-رحمه الله-: (وعن أبي سعيد الخدري عن رسول الله -صلى الله عليه
وسلم-
قال: (قال موسى: يا رب علمني شيئا أذكرك وأدعوك به، قال: قل يا موسى
لا
إله إلا الله، قال: يا رب كل عبادك يقولون هذا، قال: يا موسى لو أن
السماوات
السبع وعامرهن غيري والأرضين السبع في كفة ولا إله إلا الله في
كفة
لمالت بهن لا إله إلا الله) رواه ابن حبان والحاكم وصححه).

وهذا
الحديث أيضًا من الأحاديث العظيمة الدالة على فضل التوحيد وثمرة
التوحيد
العظيمة، وأنه أثقل شيء في الميزان، لو قيل لنا ما هي ثمرة التوحيد

التي دل عليها هذا الحديث؟ ثمرة التوحيد التي دل عليها هذا الحديث أن
التوحيد
أثقل شيء في الميزان، ليس في الميزان شيء يوضع أثقل من التوحيد ومن

كلمة التوحيد، وهذا عليه دلائل كثيرة منها هذا الحديث، حديث أبي سعيد: (أن
موسى -عليه السلام- قال: يا رب علمني شيئًا أذكرك وأدعوك به)) ماذا يريد
الآن؟
يريد شيئًا يكون جامعا لجانبي الذكر والدعاء ((قال له الله: قل لا
إله
إلا الله، قال: يا رب كل عبادك يقولون هذ)) أهل التوحيد وأهل العبادة
يرددون
هذ الكلمة، وهذه الكلمة ترد من بدء وجود عباد الله وخلق الله لهم
نشأوا
على هذه الكلمة ثم حصل فساد وحصل خلل فأرسل الله الرسل حتى يعود
الناس
إلى التوحيد وإلى كلمة التوحيد لا إله إلا الله.

((قال: كل عبادك
يقولون هذ)) ماذا يريد؟ كأنه يريد شيئًا يتميز به، كأنه
يريد شيئًا
يختص به، فبين الله -عز وجل- فضل هذه الكلمة؛ ولهذا من فوائد
هذه
الكلمة أن التنبيه لفضل التوحيد يحتاج إليه كل أحد، التنبيه لفضل كلمة
التوحيد
يحتاج إليه كل أحد، فبين الله له فضل هذه الكلمة ((قال: يا موسى،
لو
أن لا إله إلا الله وضعت في كفة، والسماوات السبع والأرضين السبع
وعامرهن
غيري وضعن في كفة لمالت بهن لا إله إلا الله)) أي لثقلت بهن لا إله

إلا الله، لاحظ السماوات السبع والأرضون السبع لو توضع في كفة ولا إله إلا
الله في كفة لثقلت لا إله إلا الله بالسماوات والأراضين هذا يدل على ثقل
هذه
الكلمة في الميزان. بل جاء في حديث عبد الله بن عمر في المسند وهو بسند
ثابت: (أن نوحا -عليه السلام- قال لابنه: يا بني، آمرك بلا إله إلا الله
فإن
السماوات والسبع والأراضين السبع لو وضعت في كفة ولا إله الله في كفة
لمالت
بهن لا إله إلا الله ولو كانت السماوات السبع والأراضون السبع حلقة
مفرغة
لقصمتهن لا إله إلا الله).

إذن هذه فضلة مستفادة من هذا الحديث
ويشهد له حديث عبد الله بن عمر الذي
أشرت إليه وهي أن لا إله إلا الله
أثقل شيء في الميزان.

فضيلة الشيخ إذا تأذن لنا أن نستعرض الأجوبة
التي وصلتنا من الإخوة.

هذا الأخ الكريم من فرنسا يقول: السلام
عليكم ورحمة الله وبركاته، الجواب:

سميت العقوبة عذابا لأن كلمة
العذاب أعم من العقوبة، والأعم لا يستلزم
الأخص، وقد قال النبي -صلى
الله عليه وسلم-: (السفر قطعة من العذاب).

الإجابة تقريبًا مختصرة.

بالنسبة
لإجابة السؤال الثاني




توجد إجابة أخرى؟

سميت
العقوبة عذابا -هذا من الأخت الكريمة من السعودية- لأنها تمنع المعاقب

من معاودة مثل جرمه وتمنع غيره من مثل فعله.

جميل هذا هو الجواب.

نعيده
يا شيخ، لأنها تمنع المعاقب من معاودة مثل جرمه وتمنع غيره من مثل
فعله


لأن أصل المعنى المنع، فسميت العقوبة عذابا لأنها تمنع المعاقب
نفسه عن
معاودة الجرم وأيضًا تنمع غيره من فعله لأنه إذا رأى المعذب
اعتبر بتعذيبه
فامتنع فلهذا سمي العذاب عذابا.

إجابة السؤال
الثاني في قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ
إِلاَّ
لِيَعْبُدُونِ ﴿56﴾﴾ [الذاريات: 56] تدل على أن التوحيد هو الغاية
التي
خلق الناس عليها.

الثاني قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي
كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ
اعْبُدُوا اللهَ وَاجْتَنِبُوا
الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: 36] تدل على الغاية
والحكمة من بعثة الرسل هو
عبادة الله وتوحيده.

وقوله تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ
تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ
وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانً﴾ [الإسراء:
23] تدل على أن التوحيد من أعظم
وصايا الله لعباده.

رابعًا:
وقوله تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللهَ وَلاَ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئً﴾
[النساء:
36] تدل على أن من أعظم الحقوق وأجلها التوحيد والبعد عن الشرك.

خامسًا:
وقوله تعالى: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ
عَلَيْكُمْ
أَلاَّ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئً﴾ [الأنعام: 151] تدل على أن أعظم
شيء
نهى الله عنه الشرك وتدل بالاقتضاء عن الأمر بالتوحيد.

سادسًا:
الأثر عن ابن مسعود -رضي الله عنه- يدل على فقه الصحابة وابن مسعود
وأن
في الآية الواردة في الحديث أن ما وصى به الرسول -صلى الله عليه وسلم-
من ربه هو التوحيد.

وسابعا وأخيرا: وفي الحديث عن معاذ بن جبل
-رضي الله عنه- يدل على بيان
مكانة التوحيد وأنه حق الله على عباده.




الجواب
ممتاز لكن هناك ملاحظة على ثالثًا ورابعا، لما قال: من أعظم
الوصايا،
وقال من أعظم الحقوق، قال التوحيد من أعظم الوصايا، وفي آية
الحقوق
قال: إن التوحيد من أعظم الحقوق، "من" هنا لا حاجة إليها لأنها تضعف

المعنى، لأن "من" تأتي للتبعيض فإذا قيل: "إنه من أعظم الحقوق" فقد يفهم
هذا
أن هناك أشياءً تشترك معه، فالصواب مثلما قال في خامسًا، قال إيش؟

أعظم
شيء

أعظم شيء، فهناك أيضًا لا حاجة أن يقول: من أعظم الوصايا، وفي
رابعًا يقول:
أعظم الحقوق.

نكمل يا شيخ الحديث الآخير في هذا
الباب؟

نعم، بقي معنا حديث واحد.

قال المصنف -رحمه الله-:
(وللترمذي وحسنه عن أنس سمعت رسول الله -صلى الله
عليه وسلم- يقول:
(قال الله تعالى: يا ابن آدم، لو أتيتني بقراب الأرض
خطايا ثم لقيتني
لا تشرك بي شيئًا لأتيتك بقرابها مغفرة))

هذا الحديث حديث قدسي،
والحديث القدسي هو الذي يضيفه النبي -صلى الله عليه
وسلم- إلى الله،
فهو من كلام الله لفظه ومعناه، والجزء الذي أورده المصنف
-رحمه الله-
هو جزء من حديث فيه ثلاث جمل، كلها جامعة لأسباب المغفرة،
لأعظم أسباب
المغفرة، فاقتصر المصنف -رحمه الله- على الشاهد من الحديث وإلا
الحديث
بتمامه يقول الله تعالى: (يا ابن آدم، إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت
لك
ما كان منك ولا أبالي، يا ابن آدم، لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم
استغفرتني
غفرت لك، يا ابن آدم، لو أتيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا
تشرك
بي شيئًا لأتيتك بقرابها مغفرة) والشاهد للباب هو هذه الجملة، فاكتفى
الشيخ
-رحمه الله- بذكرها.

وهذه الجملة من الحديث القدسي تدل على فضيلة
التوحيد وأنه من أعظم أسباب
وموجبات غفران الذنوب (لو أتيتني بقراب
الأرض) وقراب الأرض أي: ملؤها أو ما
يقارب ملأها (خطاي) أي: ذنوب، (ثم
لقيتني لا تشرك بي شيئً) ولاحظ هذا
القيد العظيم، فقوله: (لا تشرك بي
شيئً) فـ"شيئا" نكرة في سياق النفي فهي
تعم، أي: لا تشرك بي أي شيء من
الشرك لا قليلا ولا كثيرا لا صغيرا ولا
كبيرا، فمن لقي الله لا يشرك به
شيئًا غفر الله له ذنوبه، فهذا فيه شاهد
لقول المصنف -رحمه الله- (وما
يكفر من الذنوب) أي تكفير التوحيد للذنوب
والحديث شاهد على ذلك،
ولعلنا نكتفي بهذا القدر ونسأل الله -جل وعلا- أن
يوفقنا للعلم النافع،
وأن يعيننا على العمل الصالح، وأن يجعل ما نتعلمه حجة
لنا لا علينا
إنه -تبارك وتعالى- سميع مجيب قريب.

شيخنا الكريم بعض الأحيان قد
يكون هناك إشكال فيما هو متعلق بالشروط التي
بـ"لا إله إلا الله" هناك
شروط عامة ذكرتموها يا شيخ التي هي عبارة عن
العلم والعمل والصدق،
وهناك الشروط السبعة هل هناك فرق بينهما؟

الآن لو لاحظت معي جميع
الثلاثة هي من الشروط السبعة، جميع الثلاثة هي
العلم، قلنا هناك العلم
وفي الشروط السبعة العلم ، والصدق وفي الشروط
السبعة الصدق، والعمل في
الشروط السبعة اليقين، فهذه الثلاثة كلها داخلة في
شروط لا إله إلا
الله لكن هناك تفصيلا واستيعابا للشروط على وجه التفصيل.

يقول: لأن
الشرك سبب لموت القلب والحياة الضنك وعدم الراحة النفسية، لذلك
سماه
الرسول عذابا يقول الله تعالى: ﴿وَمَن يُشْرِكْ بِاللهِ فَكَأَنَّمَا
خَرَّ
مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ
فِي
مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾ [الحج: 31] هذه كانت مشاركة فيما يتعلق بمعنى العذاب.


على كل حال المشاركة التي مرت كانت جيدة في معنى العذاب.


الأخ
الكريم يقول: لماذا اختص
عيسى دون غيره من الخلق بينما قال بنو
إسرائيل عن عزير: إنه ابن الله؟

عيسى كثر فيه الخلط واللغط والغلط،
وأيضًا الجانبين جانب الغلو في عيسى
وجانب الجفاء، واشتهر كلام
النصارى واشتهر كلام اليهود وأولئك غلاة وهؤلاء
جفاة، وأهل الكتاب
أيضًا بقسميهم اليهود والنصارى كل منهم يدعي أنه على حق
وأنه مصيب، لكن
هؤلاء غلاة وهؤلاء جفاة، والحق قوام بين ذلك، ووسط بين
ضلالتيْ أولئك؛
ولهذا خص بالذكر لكثرة الغلط فيه، وإلا فالاعتدال مطلوب مع
عيسى ومع
عزير ومع موسى ومع كل أنبياء الله ورسله، الاعتدال مطلوب،
والتخصيص على
عيسى أنه لهذا السبب، أنه كثر الغلط فيه غلوا وجفاءً، غلوا
عند
النصارى وجفاءً عند اليهود.

أيضًا تحذيرا للأمة أن يسلكوا في نبيهم
مسلك أولئك وأن يحذروا غاية الحذر،
وقد نبيه النبي -صلى الله عليه
وسلم- في بعض الأحاديث أن التشبه بهؤلاء
سيوجد: (لتتبعن سنن من كان
قبلكم شبرا شبرا، ذراعا ذرعا حتى لو دخلوا جحر
ضب لدخلتموه، قالوا:
اليهود والنصارى؟ قال: فمن)، فلهذا التنصيص على عيسى
له حاجة، وإلا
فالاعتدال مطلوب في حق كل الأنبياء؛ بل مطلوب في جميع أمور
الدين.

الأخ
الكريم من الجزائر يقول: أريد السؤال عن حديث أبي سعيد -رضي الله عنه-
ولقد وقفت في بحثي على ضعف هذه الرواية كما ضعفها الشيخ الألباني -رحمه
الله-
وغيره من أهل العلم؛ لأن في سند الحديث الدراج بن سمح وروايته عن أبي

الهيثم ضعيفة، ولذلك أريد يا شيخ التنبيه عن هذا الحديث، وكذلك عن الحديث
الذي
قبله في الباب الأول وهو أثر لابن مسعود -رضي الله عنه-: (من أراد أن
ينظر
إلى وصية محمد) إلى آخر الحديث، المحفوظ عند الترمذي (من سره أن ينظر
إلى
الصيحة التي عليها خاتم محمد -صلى الله عليه وسلم-) كذلك ضعفه
الطبراني-رحمه
الله- وضعفه الألباني فما توجيه هذين الحديثين وبارك الله
فيكم؟

بالنسبة
للحديث حديث أبي سعيد في أثناء الشرح لعل أخانا الكريم تنبه لما
ذكرته
من شاهد لهذا الحديث وهو حديث عبد الله بن عمر في مسند الإمام أحمد
وسنده
جيد وهو شاهد للحديث، أو شاهد لموضع الشاهد من الحديث والأمر في ذلك
واضح؛
لأن في حديث أبي سعيد قال: (قال: يا موسى، لو أن السماوات السبع
والأرضين
السبع وعامرهن غيري وضعت في كفة ولا إله إلا الله في كفة لمالت
بهن أو
لثقلت بهن لا إله إلا الله) وفي حديث عبد الله بن عمرو وهو مسند
الإمام
أحمد وسنده جيد: قال -عليه الصلاة والسلام-: (إن نوحا قال لابنه: يا

بني، آمرك بلا إله إلا الله، ثم قال: فإنها لو وضعت في كفة والسماوات
السبع
والأراضون السبع لثقلت بهن لا إله إلا الله) وهذا سنده جيد، فهو يشهد

للشاهد في حديث أبي سعيد ولا إشكال، يعني: ما ذكره الشيخ -رحمه الله- ثابت
بهذا الشاهد وما ذكره في الكلام على رواية أبي السمح بن راجي بن سمعان عن
أبي
الهيثم معروف الكلام في هذا، لكن الحديث ثابت عن النبي -عليه الصلاة
والسلام-
أو موضع الشاهد ثابت عن النبي -صلى الله عليه وسلم- بهذا الشاهد،
وأيضًا
هناك شواهد أخرى عامة مثل حديث عبد الله بن عمرو بن العاص الطويل
(يصاح
برجل من أمتي على رؤوس الخلائق يوم القيامة) إلى آخر الحديث هذا يدل
على
ثقل كلمة التوحيد "لا إله إلا الله" في الميزان وهذا الذي أراده المصنف
في عده للفضائل؛ ولهذا ابن رجب وآخرون من أهل العلم أوردوا هذا الحديث
مستشهدين
به على ثقل هذه الكلمة في الميزان، وأثر ابن مسعود -رضي الله عنه-
هو
أثر يوضح المعنى ويوضح المكانة، واللفظ الذي ذكره المصنف -رحمه الله-
ثابت
لا إشكال فيه، ومعناه أيضًا واضح في أن هذه وصية عظيمة ثابتة في كتاب
الله
التي هي الوصايا العشر العظام، هي ثابتة في كتاب الله والنبي -صلى
الله
عليه وسلم- لما أوصى أوصى بكتاب الله وذكرت أيضًا فيما سبق قول النبي
-صلى
الله عليه وسلم-: (إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا كتاب الله)
وهذه الوصايا العشر هي أعظم الوصايا وأجلها كما سبق التنبيه على ذلك
فالأمر
لا إشكال فيه.

الأخ الكريم من نجران يقول: هناك من ينكر على بعض
طلبة العلم إذا شرح حديث
معاذ ابن جبل -رضي الله عنه- وخاصة في مجالس
العامة بحجة أنه يؤدي إلى
التكاسل والابتعاد عن الطاعات والتهاون فما
رأيكم فضيلة الشيخ في ذلك؟

حديث معاذ، معاذ -رضي الله عنه- أوصاه
النبي -صلى الله عليه وسلم- أن لا
يخبر الناس قال: (ألا أبشر الناس؟
فقال له النبي -صلى الله عليه وسلم-: لا
تبشرهم فيتكلو) إذن الخوف من
الاتكال موجود، والنبي -صلى الله عليه وسلم-
خاف على أمته من الاتكال
على هذه البشارة.

إذن أدركنا من الحديث هذه البشارة العظيمة وأدركنا
أيضًا من الحديث عدم
الاتكال، فإذن نأخذ الحديث بمجموع دلالته، فيبقى
أن الصواب أن الحديث يبلغ
للناس ويفهمون معناه وأيضًا ينبهون على البعد
عن الاتكال على هذا الأمر
بذكر آيات الوعيد والتخويف حتى يجمع الإنسان
بين الرجاء والخوف، ففضائل
التوحيد هذه عظيمة وعلى بابها وعلى متمها،
لكن من آمن بهذه الفضائل لا
يجعله إيمانه يكون متواكلا أو متكاسلا أو
متوانيا؛ بل يدفعه هذا الإيمان
إلى العمل، فإذن لا يترك بيان هذا العلم
ولا أيضا يفتح الباب للاتكال بل
الناس يحتاجون إلى هذا وهذا، فالناس
تحتاج الآن إلى شرح التوحيد وبيانه وعد
فضائله حتى يحققوا هذا التوحيد
ويكملوه ويبتعدوا عن مفسداتهم ونواقضه،
وأيضًا في الوقت نفسه ينبه
الناس على أهمية العمل وضرورة العمل والحذر من
فعل الموبقات التي تنقص
كمال التوحيد الواجب.

الأخ الكريم من الكويت يقول: السلام عليكم
ورحمة الله وبركاته، أحسن الله
إليكم يا شيخ، قال الله تعالى:
﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم
مُّقْتَصِدٌ﴾ [فاطر: 32]
فما الفرق بينهما؟

﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم
مُّقْتَصِدٌ﴾ هذه الآية جاءت في
سياق ذكر المصطفين من عباد الله قال
الله -عز وجل-: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا
الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا
مِنْ عِبَادِنَ﴾ فذكر أن المصطفين ثلاثة
أصناف: قال: ﴿فَمِنْهُمْ
ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ
وَمِنْهُمْ سَابِقٌ
بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ
الْكَبِيرُ ﴿32﴾
جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا ﴿33﴾﴾ [فاطر: 32: 33] من
هم؟ الثلاثة،
الواو تشمل الثلاثة: تشمل الظالم، وتشمل المقتصد، وتشمل
السابق
بالخيرات، لكن كما قال أهل العلم ومنهم شيخ الإسلام ابن تيمة في
كتابه
الإيمان: المقتصد والسابق بالخيرات يدخلون الجنة دخوليا أوليا، يعني:

بدون حساب ولا عذاب، لأن المقصد هو من فعل الواجب وترك المحرم، والسابق
بالخيرات
هو الذي فعل الواجب والمستحب وترك المحرم وأيضًا حذر وجانب
المكروه
وسابق في ا
 الموضوع : دروس شرح كتاب التوحيد فضيلة الشيخ/ عبد الرزاق بن عبد المحسن العباد البدر  المصدر :منتديات تقى الإسلامية  الكاتب:  El Helalya

 توقيع العضو/ه:El Helalya

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

El Helalya
المؤسسة

المؤسسة
El Helalya


المشاركات :
22515


تاريخ التسجيل :
08/08/2008


الجنس :
انثى

البلد :
مصر

sms :
سبحان الله

ـــــــــــ


ــــــــــــــ


دروس شرح كتاب التوحيد فضيلة الشيخ/ عبد الرزاق بن عبد المحسن العباد البدر _
مُساهمةموضوع: رد: دروس شرح كتاب التوحيد فضيلة الشيخ/ عبد الرزاق بن عبد المحسن العباد البدر   دروس شرح كتاب التوحيد فضيلة الشيخ/ عبد الرزاق بن عبد المحسن العباد البدر Emptyالخميس 19 أغسطس 2010 - 18:47 

الدرس الخامس- شرح كتاب
التوحيد


بسم الله الرحمن
الرحيم، إن الحمد لله نحمده ونستعينه
ونستغفره، ونتوب إليه، ونعوذ
بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده
الله فلا مضل له ومن
يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا
شريك له، وأشهد أن
محمدا عبده ورسوله، صلى الله وسلم عليه وعلى آله وأصحابه
أجمعين، أما
بعد،
فنحمد
الله -جل وعلا- على نعمة الإسلام ونعمة الهداية لهذا
الدين- ونحمده
-تبارك وتعالى- على تيسيره لهذه اللقاءات التي نسأل الله -جل
وعلا- أن
يعم خيرها، وأن يعظم نفعها، وأن تزيد بركتها، وأن يتقبل من
الجميع
بقبول حسن إنه -تبارك وتعالى- سميع مجيب.
أيها الإخوة، إننا ندرس
كتابا عظيما ومؤلفا مباركا أُلف في
أعظم الأمور، وأجل المقاصد، وأنبل
الغايات ألا وهو توحيد الله -جل وعلا-
ونحن لا زلنا في بدايات هذا
الكتاب وفي أبوابه الأولى، حيث سبق أن أخذنا ما
يتعلق بفضل التوحيد
ومكانته وعظيم شأنه، وأيضا سبق أن أخذنا في دروسنا
الماضية ثمار
التوحيد وآثار التوحيد المباركة على أهله مع مقدمات أخرى مرت
معنا في
لقاءاتنا السابقة.
وهنا في درس اليوم نبدأ مع مؤلفنا -رحمه الله تعالى-
ومؤلَّفه
القيم "كتاب التوحيد" في باب عظيم مبارك من أبواب هذا الكتاب ألا
وهو
باب "من حقق التوحيد دخل الجنة بغير حساب" وهذا الباب المبارك يأتي ضمن
ترتيب دقيق علمي جاء في هذا المصنف المبارك، فالمؤلف أول ما بدأ تحدث عن
مكانة
التوحيد، ثم بدأ يعدد فضائل التوحيد، ثم أتى هنا -رحمه الله تعالى-
لبيان
تحقيق التوحيد.
وتحقيق التوحيد درجة عالية ومنزلة رفيعة يأتي الحديث عنها
في
هذه الأبواب، وفي ضمن أيضا الآيات والدلائل التي أوردها المصنف -رحمه
الله
تعالى- في هذا الباب العظيم، فنبدأ لقاءنا ونستمع إلى أخينا الفاضل
بارك
الله فيه ليبدأ معنا بمستهل هذا الباب:

قال
المصنف -رحمه الله تعالى- (باب من حقق التوحيد دخل
الجنة وقول الله تعالى ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ
أُمَّةً قَانِتًا للهِ حَنِيفًا
وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴿120

[النحل: 120]
)
.

بدأ المصنف كما
هي عادته -رحمه الله تعالى- بوضع عنوان
للترجمة، والعنوان يدل على
المضمون، وتحت هذا العنوان تأتي الأدلة عليه
والشواهد من كتاب الله
وسنة نبيه -صلى الله عليه وسلم-.
عنوان الترجمة "من حقق التوحيد دخل الجنة بلا حساب"
أي: ولا
عذاب، و"مَن" هذه شرطية تحتاج إلى فعل وجواب، فعلها "حقق"
وجوابها "دخل
الجنة" فمن حقق التوحيد ثمرة تحقيقه له ونتيجة تحقيقه له
أن يدخل الجنة بلا
حساب أي: دخولا أوليا، لا يمر قبل دخوله بمرحلة
تعذيب، و أيضا لا يمر قبل
دخوله بمرحلة محاسبة، وإنما يدخل الجنة بدون
حساب.

وهذه
رتبة علية، ومنزلة رفيعة، ومكانة سامقة يمن الله تعالى
بها على محققي
التوحيد، فيوم القيامة يدخلهم جنته بلا حساب، وينجيهم من
النار، فلا
ينالهم عذابها، ولا يمسهم شيء منها، وإنما يدخلون جنة النعيم
دخولا
أوليا بدون حساب ولا عذاب، وهذه منة عظمية، وعطية جليلة يمن الله
-سبحانه
وتعالى- على محققي التوحيد.

والمؤمن الموفق عندما يبلغه هذا الأمر ويعي هذه
الحقيقة لا
شك أن قلبه مهما كان سيتحرك شوقا وطمعا ورغبة في أن يكون من
هؤلاء الذين
مآلهم يوم القيامة دخول جنة النعيم من دون حساب ولا عذاب.

ولهذا يأتي
التساؤل الكبير المهم في لقائنا وهو ما هي
الصفات محققي التوحيد؟ ما هي
حليتهم؟ ما هي علامتهم؟ يبحث المؤمن الموفق عن
صفات هؤلاء، وعن نعوت
هؤلاء؛ حتى يتحلى بها، ويتصف بها، ويكون من أهلها،
يسأل: من هم
المحققون للتوحيد؟ وما هي صفاتهم؟ وما هي علاماتهم؟ ليتحرك
قلبه شوقا
في الاتساء بهم، والاقتداء بهم، وهذا الباب المبارك هو في
الحقيقة عون
للمؤمن أن يعي هذه الحقيقة، وأن يجاهد نفسه في تتميمها
وتكميلها.

"مَن حقق
التوحيد" "حقق التوحيد" هذه كما قلت درجة عالية في
الإتيان بالتوحيد؛
لأن من يأتي أومن يأتون بالتوحيد من أهل ليسوا على درجة
واحدة، ليسوا
على رتبة واحدة؛ بل هم متفاوتون، وخير أهل التوحيد محققوه،
من حققوا
التوحيد، فتحقيق التوحيد هذه منزلة زائدة، أو منزلة عالية تزيد
على
مجرد الإتيان بالتوحيد؛ بل هي إتيان بالتوحيد مع تتميم وتكميل.

وتحقيق التوحد هذه الكلمة
تعني الإتيان به على حقيقته وافيا
تاما كاملا غير منقوص، وإنما يأتي به
تاما كاملا، ومصفى منقى من الشوائب
ومن النواقص؛ ولهذا قال أهل العلم
في شرح هذا الباب من كتاب التوحيد قالوا:
تحقيق التوحيد هو تصفيته
وتنقيته من شوائب الشرك والبدع والمعاصي. ولاحظوا
هذه الأمور الثلاثة
التي لابد من الحذر منها والبعد عنها حتى يبلغ المسلم
درجة تحقيق
التوحيد: الشرك والبدع والمعاصي هذه الثلاثة يسميها العلامة ابن
القيم
-رحمه الله تعالى- في كتابه "الفوائد" يسميها: "العوائق" لماذا؟
لأنها
تعوق القلب وتعوق المؤمن في سيره إلى الله والدار الآخرة، عقبات في
الطريق،
عوائق في الطريق يحتاج أن يحترز منها، وأن يحذر من الوقوع فيها:
الشرك
والبدعة والمعصية. يقول: وعائق الشرك يزول بتجريد التوحيد لله، وعائق

البدعة يزول بتجريد المتابعة لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- وعائق
المعصية
يزول بالبعد على المعاصي وعدم الإصرار عليها والتوبة منها.
فهذا هو تحقيق التوحيد،
تحقيق التوحيد بأن يأتي به المؤمن
تاما وافيا غير منقوص، لا شائبة فيه
توهنه وتضعفه.

وينبغي أن نعلم هنا أن أهل التوحيد في التوحيد على ثلاثة
مراتب،
جاءت هذه المراتب الثلاثة مبينة في قول الله -تبارك وتعالى-: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا
مِنْ
عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ
وَمِنْهُمْ
سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ
الْكَبِيرُ
﴿32
﴾[فاطر: 32] لاحظ معي ﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ
وَمِنْهُمْ
سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ
﴾ كم مرتبة؟ ثلاث مراتب: ظالم
لنفسه
ومقتصد وسابق بالخيرات، السابق بالخيرات والمقتصد هذان كل منهما محقق

للتوحيد، وأهل العلم يقولون: إن تحقيق التوحيد على درجتين؛ تحقيق واجب،
وتحقيق
مستحب، التحقيق المستحب هو الذي إليه الإشارة في قوله في هذه الآية:
﴿وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ
والتحقيق
الواجب إليه الإشارة في هذه الآية في قوله: ﴿وَمِنْهُم
مُّقْتَصِدٌ
﴾ وكل من المقتصد والسابق
بالخيرات محقق للتوحيد،
لكنهم في تحقيقهم له على رتبتين: المقتصد محقق له
التحقيق الواجب،
والسابق بالخيرات محقق له إضافة إلى التحقيق الواجب
التحقيق المستحب.

ولهذا من النافع
للمسلم أن يطالع كلام أهل العلم وأقاويل
المفسرين في تفسير هذه الآية
حتى يعلم من السابق بالخيرات ومن المقتصد،
والمقتصد هو الذي فعل الواجب
وترك المحرم، الواجبات التي أوجبها الله عليه
يفعلها، والمحرمات التي
حرمها الله عليه يتركها، والسابق بالخيرات زاد على
ذلك بفعل المستحبات
والمنافسة في فعل الخيرات والرغائب، وكل من المقتصد
والسابق بالخيرات
يدخل الجنة بدون حساب ولا عذاب كما ذكر ذلك أهل العلم.

كل منهما يدخل الجنة بدون
حساب ولا عذاب لماذا؟ لأن المقتصد
فعل ما يوجب عليه، وترك ما يحرم
عليه، فلا يحاسب ولا يعذب، والسابق
بالخيرات زاد على هذا القدر بفعل
الرغائب والمستحبات.
فإذن هذان المقتصد والسابق بالخيرات كل منهما محقق للتوحيد،

لكن تحقيق التوحيد على درجتين: درجة المقتصد وهي فعل الواجب وترك المحرم،
ودرجة
السابق بالخيرات وهي الزيادة على هذا بفعل الرغائب والمستحبات.

﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ
الظالم لنفسه
ظلم نفسه بماذا؟ ظلمها بماذا بالشرك أو بالمعصية؟ بالمعصية
لأنه لو
ظلمها بالشرك لكان كافرا، ولم يكن من المصطفين والآية الحديث فيها
عن
المصطفين لأنه قال ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ
الَّذِينَ اصْطَفَيْنَ
﴾ الكافر ليس من المصطفين.

﴿فَمِنْهُمْ
ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ

أي: بالمعصية، الذي ظلم نفسه بالمعصية أو
بأمر دون الكفر ودون الشرك هل
يعد من محققي التوحيد الذين لا يحاسبون
ولا يعذبون أو لا يعد منهم؟ لا يعد
من محققي التوحيد الذين لا يحاسبون
ولا يعذبون؛ لأنه عنده ذنوب دون الشرك
ودون الكفر يستحق بموجبها عذابا،
وإن عُذب فهل يعذب يوم القيامة عذاب
الكافر الذي هو التخليد الأبدي أو
أنه يعذب على قدر جرمه وعلى قدر ذنبه
ليتطهر ويتنقى ثم ينتقل بعد ذلك
إلى الجنة؟ ولهذا لو سألتكم الظالم لنفسه
هل يدخل الجنة أو لا يدخلها؟
الظالم لنفسه بالمعاصي؟ يدخلها لأن الله
-سبحانه وتعالى- قال بعد هذه
الآية ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ
يَدْخُلُونَهَ

من هم؟ الثلاثة لكن قلنا: السابق بالخيرات والمقتصد
دخولا أوليا بدون
حساب ولا عذاب، والظالم لنفسه عرضة للحساب والعقاب؛ لأنه
نقص من إيمانه
ولم يأت بمطل أو محبط لإيمانه.

أعود مرة ثانية وأقول ما ذكر أهل العلم أن
تحقيق التوحيد هو
تصفيته وتنقيته من شوائب الشرك والبدع والمعاصي، ولكي
يسلم المسلم من
الشرك يخلص العبادة لله، ويبرأ من الشرك ويبتعد عنه،
وإذا أراد السلامة من
البدعة عليه باتباع السنة، وإذا أراد السلامة من
المعاصي يحاذر من الوقوع
فيها، وإن وقع في شيء منها بادر إلى التوبة
ولم يصر على ذنبه، فإذا كان
بهذه الصفة يكون بإذن الله تعالى من محققي
التوحيد الذين يدخلون الجنة بلا
حساب ولا عذاب.

بدأ المصنف رحمى الله عليه
يستدل لهذا الباب فذكرالدليل
الأول وهو قول الله تعالى ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ
أُمَّةً قَانِتًا للهِ
حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ

بين يدي هذه الآية
أنقل لكم فائدة لطيفة جدا من كلام المصنف -رحمه الله
تعالى- في بعض
رسائله يقول المصنف: التوحيد يدل عليه الكتاب والسنة والأئمة
والعقل.
ما معنى "يدل عليه الأئمة"؟ هذه فائدة مهمة جدا والناس يحتاجون
للانتباه
إليها، مامعنى "يدل عليه الأئمة"؟ جرت عادة الناس ميلهم إلى
أكابرهم
ولا سيما من يعرف منهم بعلم، فمن يعرف منهم بعلم جرت عادة الناس
مجاراته
ومتابعته والسير على منهاجه، انظروا في أقطار الدنيا عوام الناس
سوءا
كانوا على حق أو على ضلال لهم فيها ماذا؟ لهم فيها إمام، ولو فتشت في
عقائدهم
أو في أعمالهم أو تصرفاتهم أو أذكارهم تجد من ورائها ماذا؟ إماما،
فإن
كان إمام خير فهو قدوة ولهم في الخير، وإن كان إمام شر -والعياذ بالله-
كان قدوة لهم في الشر، وسيأتي معنا عند المصنف قول النبي -صلى الله عليه
وسلم-:
(إن أخوف ما أخاف على أمتي الأئمة المضلين)
فالشيخ -رحمه الله تعالى- يقول: من أدلة التوحيد الأئمة؛ لأن النفوس كما
قلت
تميل إلى متابعتهم، هنا يأتي سؤال: إذا كان من الأدلة الأئمة فمن هم
الأئمة؟
اقرأ الآية ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ
أُمَّةً
قَانِتًا للهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ

هل
هناك خير في الإمامة من الأنبياء؟ الله -جل وعلا- قال﴿وَمَن يَرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلاَّ مَن
سَفِهَ
نَفْسَهُ
﴾ [البقرة: 130] فإذا كان أراد إماما فإمام الأئمة
وقدوة
الموحدين إبراهيم الخليل ونبينا -عليه الصلاة والسلام- وأنبياء الله
ورسله
الكرام، فإذا كانت القضية قضية أئمة فلنتبع من؟ الأنبياء ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾[الأحزاب:
21] لا يليق بإنسان عاقل أن يترك الائتمام بالمرسلين ويأتم بأناس ضالين.

فإذن من دلائل
التوحيد الأئمة، وإذا نظرت في الأئمة الذين
هم قدوة فعلا تجد دعوتهم
دعوة إلى ماذا؟ إلى التوحيد.

﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ
أُمَّةً

الله -عز وجل- وصف إبراهيم بأنه أمة مع أنه شخص واحد
ووصفه بأنه أمة؛
ولهذا فصاحب الحق لا يستوحش ولو كان وحده على الحق فهو
أمة، ولو كان وحده،
فالله -جل وعلا- وصف إبراهيم بأنه كان أمة قال: ﴿إِنَّ
إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً
﴾ ومعنى
"أمة" لها معانٍ لكن معناها هنا
أي: إماما وقدوة في الخير، فإذا أردت
القدوة في الخير والإمامة فعليك
بأنبياء الله ورسله -عليهم صلاة الله
وسلامه- ولهذا دعانا الله إلىهذا في
القرآن قال: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ
فِي
إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ
﴾ [الممتحنة: 4] قيل في معنى ﴿وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾ أي: الأنبياء والذين معه.

إذن هذه الصفة
والأولى ﴿إِنَّ
إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً

أي: إمام في الخير ﴿قَانِتً﴾ أي: مداوما على
طاعة الله، والقنوت هو
المداومة على الطاعة ﴿حَنِيفً
الحنيف هو
المائل، مائل عن الشرك، مائل عن الضلال، مائل عن الباطل إلى
الحق والهدى
فوصف إبراهيم بصفتين: صفة ثبوتية وصفة سلبية، بإثبات ونفي
الإثبات في قوله:
﴿قَانِتً﴾ مداوما على
طاعة الله، والنفي في
قوله: ﴿حَنِيفً
مائلا مبتعدا عن الشرك وعن
الضلال وعن البعد، ثم أكد ذلك بقوله: ﴿وَلَمْ يَكُ
مِنَ الْمُشْرِكِينَ
﴾ وإبراهيم من
محققي التوحيد؛ بل من أئمة محققي
التوحيد، فإذن هذ الصفات المذكورة في
الآية هي صفات محققي التوحيد، أن يكون
الإنسان إماما في الخير، بعيدا
عن سفساف الأمور ورديئها، وأيضا قانتا
ومداوما على طاعة الله وحنيفا
مائلا عن المعاصي وعن الذنوب وعن ما يسخط
الله وعن الشرك ويأتي في
مقدمة ما يكون الإنسان حنيفاعنه ﴿وَلَمْ يَكُ مِنَ
الْمُشْرِكِينَ
﴾ البعد عن الشرك
كله دقيقه وجليه فهذه الصفات
أربع ذكرها الله -عز وجل- لنبيه وخليله
إبراهيم الخليل -عليه السلام-
والشاهد منها للترجمة ظاهر كما تقدم.

قال
المصنف -رحمه الله تعالى- قال
الله تعالى ﴿وَالَّذِينَ
هُم بِرَبِّهِمْ لاَ
يُشْرِكُونَ ﴿59

[المؤمنون: 59]

وهذه الآية الثانية التي أوردها الإمام -رحمه الله
تعالى-
ويسبقها -وهي في سورة المؤمنون- قولُه تعالى ﴿إِنَّ
الَّذِينَ هُم مِّنْ خَشْيَةِ رَبِّهِم
مُّشْفِقُونَ ﴿57﴾وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِ
رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ
﴿58﴾ وَالَّذِينَ
هُم بِرَبِّهِمْ لاَ
يُشْرِكُونَ ﴿59﴾وَالَّذِينَ
يُؤْتُونَ مَا
آَتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى
رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ ﴿60﴾أُولَئِكَ
يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ

[المؤمنون: 57: 61] لاحظ هذه
الصفات في هذه الآيات الأربعة:

أولا: وقد جاء الترتيب فيها بديعا بحسب حالها
أولا: أول ما
يكون في الإنسان الخوف والشفقة من خشية الله، فإذا وجد
فيه خوف جاءه
الإيمان ﴿وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِ
رَبِّهِمْ
يُؤْمِنُونَ
﴾ فإذا وجد الإيمان تبعه بُعد الإنسان
ومحاذرته مما يخل
به ﴿وَالَّذِينَ هُم
بِرَبِّهِمْ لاَ يُشْرِكُونَ

فإذا وجدت هذه الثلاثة يتبعها حفظ
الإنسان لها بسؤال الله القبول ورجاء
القبول ﴿وَالَّذِينَ
يُؤْتُونَ مَا آَتَوْا
وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ
﴾ أي: يقدمون ما
يقدمون من طاعات وعبادات
وقلوبهم خائفة ومشفقة من أن لا يقبل منهم،
وبهذا جاء تفسير الآية عن النبي
-صلى الله عليه وسلم- كما في المسند
وغيره في قصة سؤال عائشة للنبي -صلى
الله عليه وسلم- عن معنى الآية.

الآية هنا فيها
ذكر صفة عظيمة لمحققي التوحيد وهي التي
اقتصر المصنف على إيرادها
لمناسبتها للترجمة وهي قوله: ﴿وَالَّذِينَ هُم
بِرَبِّهِمْ لاَ يُشْرِكُونَ
﴾ فمن
صفات محققي التوحيد بل من
أبرزها وأجلها وأساسها البعد عن الشرك كله دقيقه
وجليله صغيره وكبيره ﴿وَالَّذِينَ هُم بِرَبِّهِمْ
لاَ يُشْرِكُونَ

في بعدهم عن الشرك كله.

ومناسبة الآية للترجمة واضحة لأن تحقيق التوحيد لا
يكون إلا
بالبعد عن الشرك كله، فإذا وقع في شرك أكبر انهدم الإيمان
كله، وإذا وقع
في شرك أصغر انتقص توحيده بحسب ما وقع فيه.
﴿وَالَّذِينَ
هُم بِرَبِّهِمْ لاَ
يُشْرِكُونَ
﴾ الشاهد من الآية أن من صفات
محققي التوحيد بل أعظمها
وأساسها البعد عن الشرك.

لما انتهى المصنف من
الآيتين شرع في ذكر الدليل من السنة:

قال
المصنف -رحمه الله تعالى- (عن حصين بن عبد الرحمن
قال: كنت عند سعيد بن جبير فقال:
أيكم رأى الكوكب الذي انقض البارحة؟
فقت: أنا، ثم قلت: أما إني لم أكن في
صلاة ولكني لدغت، قال: فما صنعت؟
قلت: ارتقيت، قال فما حملك على ذلك؟ قلت:
حديث حدثناه الشعبي، قال:
وماحدثكم؟ قلت: حدثنا عن بريدة بن الحصين أنه
قال: (لا رقية إلا من عين أو حمى) قال: قد
أحسن من
انتهى إلى ما سمع، ولكن حدثنا ابن عباس عن النبي -صلى الله عليه
وسلم-
أنه قال: (عرضت على الأمم فرأيت النبي ومعه
الرهط،
والنبي ومعه الرجل والرجلان، والنبي وليس معه أحد، إذ رفع لي سواد
عظيم
فظننت أنهم أمتي فقيل: لي هذا موسى وقومه، فنظرت فإذا سواد عظيم فقيل
لي:
هذه أمتك ومعهم سبعون ألفا يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب، ثم نهض
فدخل
منزله فخاض الناس في أولئك فقال بعضهم: لعلهم الذين صحبوا رسول الله
-صلى
الله عليه وسلم- وقال بعضهم: لعلهم الذين ولدوا في الإسلام فلم يشركوا
بالله شيئا وذكروا أشياء، فخرج عليهم رسول الله -صلى الله عليه وسلم-
فأخبروه
فقال: هم الذين لا يسترقون، ولا يكتوون، ولا يتطيرون، وعلى ربهم
يتوكلون.
فقام عكاشة بن محصن فقال: ادع الله أن يجعلني منهم، قال: أنت
منهم، ثم
قام رجل آخر فقال: ادع الله أن يجعلني منهم فقال: سبقك بها عكاشة
)
)


هذ الحديث الكلام فيه واسع جدا ربما نقتصر على بعض
جوانبه:

هذا الأثر أولًا أوَد أن نستفيد منه جميعا فائدة عظيمة
جليلة
ننظر فيها إلى حياة التابعين وطلاب العلم وأهل الفضل كيف كانوا
يتحاورون،
وكيف كانوا يتحدثون، وكيف كانوا يتجاذبون أطراف الحديث؟
سآخذ معكم هذا الحديث بشيء
من البساطة حتى ننظر الحياة
الجميلة الحلوة التي كان يعيشها هؤلاء في
مجالسهم، وقبل الدخول في تفاصيل
هذا الحديث أو هذا الأثر أريد أن
تتخيلوا الآن أن أحد الأشخاص لدغته عقرب،
ثم اجتمع به في مجلس، الغالب
في حديث الناس خاصة العوام عن ماذا؟ والأسئلة
التي تدور في المجلس عن
ماذا؟

عن الحادثة نفسه

عن الحادثة نفسها، أحيانا
يقولون مثلا: ما لون العقرب؟
وأحيانا يقولون: ما حجم العقرب؟ وأحدهم
يقول: من أين طلعت؟ وكيف جاءت؟
يدخلون في تفاصيل وأسئلة عن المعتدي
المجرم ولا يسألون عن المريض نفسه،
ينشغلون عنه، وهذا حديث العوام لا
فائدة فيه، ولكن انظروا الحوار الجميل
الرائع المشرق الذي يصور لكم
الحالة البهية التي كان عليه السلف في
مجالسهم.

تبدأ قصة هذا الحوار أن
كوكبا انقضى، والكواكب التي تنقضى
هي التي جعلت رجوما للشياطين، وسيأتي
معنا أن النجوم خلقت لثلاث: زينة
للسماء، وعلامات يهتدى بها، ورجوما
للشياطين. فالكوكب الذي ينقضى يعتبر آية
عظيمة من آيات الله تشد من
رآها، فيقول حصين راوي هذا الأثر: (كنت عند سعيد بن
جبير فقال: أيكم رأى الكوكب الذي انقض
البارحة؟
) و"البارحة" هذه
كلمة تقولها العرب لليلة الفائتة، أقرب
ليلة لك ولكن بعد الزوال،
يعني: قبل الزوال يقولون: الليلة، فإذا زالت
الشمس، ما بعد زوال الشمس
يقولون: عنها الليلة البارحة، لكن في الضحى
يقولون: الليلة، لو كانت في
الضحى يقولون: أيكم الذي رأى الكوكب الذي انقض
الليلة؟ لكن بعد الزوال
يقولون: أيكم رأى الكوكب الذي انقض البارحة؟

فقال: أيكم الذي رأى الكوكب
الذي انقض البارحة؟ الكوكب انقض
بالليل، وحصين قال: أنا رأيته، وفي
وقتهم من يكون مستيقظا في الليل الأصل
فيه ماذا؟ حتى نعرف الفرق بينهم
وبين واقعها الذي يكون مستيقظا بالليل ما
الذي يتبادر إلى أذهان الناس
في ذلك الوقت؟ أنهم يصلون، لكن الآن المستيقظ
بالليل يتبادر لذهنك عنه
أمورا كثيرة جدا وربما آخر ما يتبادر لذهنك هو
الصلاة، بينما في وقتهم
كان الذي يتبادر الصلاة.

نحن الآن في واقعنا مع الحضارة والإضاءة والأنوار
أصبح
الليل شبيها بالنهار حتى الآن الكواكب والنجوم التي كانت العرب
تعرفها
وتعرف أسماءها وتعرف مواضعها وتعرف كيف تهتدي بها في الطريق
وتعرف بها
القبلة ما نعرفها، حتى الهداية للطريق ما نهتدي للطريق إلا
باللوحات
الإرشادية: يمين يسار، هذا الذي نعرفه، وإذا ضاعت عنا اللوحة
الإرشادية
ضعنا!!! بينما الأول ينظر إلى السماء وإلى النجوم ويقول:
الطريق من هنا في
الليل، أو يقول: القبلة من هنا، فيعرفون ﴿وَعَلامَاتٍ
وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ ﴿16

[النحل: 16] لكن نحن الآن إن نظرنا
إلى النجوم نقول: أشياء جميلة، هذا
حدنا منها، لكن معرفة طريق، معرفة
قبلة، عبرة، وهذا ضعيف فينا جدا، وهذا من
آثار الحضارة.
قلت: إنه في وقتهم لا
يتبادر إلى الذهبن إلا الصلاة، عمران
بن حصين قال: أنا -يعني: رأيت
الكوكب- أما إني لم أكن في صلاة. لماذا قال:
أما إني لم أكن في صلاة.
لماذا قال هذه الكلمة؟ حتى لا يتبادر ذلك للأذهان؛
لأنه أصلا أول ما
يتبادر للأذهان أنه في صلاة، وأيضا حتى لا يحمد بما لم
يفعل، قال: أما
إني لم أكن في صلاة.

يأتي السؤال يطرح نفسه كما يقولون ويتحرى الجواب
عنه:
مستيقظ في هذا الوقت ولست في صلاة ماذا تفعل؟ هناك في ذاك الوقت
هذا السؤال
يطرح نفسه، لكن في وقتنا الأجوبة كثيرة، قال: أما إني لم
أكن في صلاة.
وأجاب عن السؤال الذي يطرح نفسه قال: ولكني لدغت. كنت
لديغا، يعني: لدغتني
عقرب، وجالس في تلك الساعة يتألم من سم العقرب،
ولكني لدغت، الآن تأتي
الأسئلة التي ستنم عن خير، وعن طلب فائدة، وعن
تواصل علمي نافع، ما صنعت؟
لاحظ ما صنعت؟ هذا ينم عن سؤال عاطفي جميل
يتعلق بالحادثة التي حصلت، لم
يقل: ما العقرب؟ وما لون العقرب؟ وكيف؟
ولكن السؤال: ما صنعت؟ هذا هو
السؤال المناسب ما صنعت؟ قال: ارتقيت، ما
معنى "ارتقيت"؟ يعني طلب الرقية،
أخذ يقرأ على هذا السم الذي أصاب
جسمه بسبب اللدغة يقرأ عليه، والقرآن نافع
جدا في هذا والسنة دلت على
ذلك، فهوعمل بالسنة وأخذ يرتقي، والرقية لها
أثر نافع بالكتاب،
والأدعية المذكورة لها أثر نافع جدا في هذا الباب، قال
له سعيد: ما
حملك على ذلك؟ ما مقصود سعيد بقوله: ما حملك على ذلك؟ أريد أن
أسمع
منكم؟

كيف اهتديت للرقية

كيف اهتديت للرقية؟ ما
مستندك؟ أنت تريد الآن أن تفعل شيئا
لابد أن يكون لك مستند شرعي، لا
تفعل هكذا بدون مستند، لا ما هو مستندك
الشرعي؟ ما حملك على ذلك؟ أي:
ما المستند الشرعي لك على ذلك؟ فماذا قال؟ ما
هو مستنده؟

قلت
حدثنا عن بريدة بن الحصين أنه
قال: لا رقية إلا من عين أو حمى


لا، هو قال :
حديث حدثناه الشعبي، أنا مستندي في ذلك حديث
حدثناه الشعبي، لاحظ
ارتباط القوم بماذا؟ بالسنة والأدلة، "حديث حدثناه"،
لكن الآن الناس لو
تسألهم عن أفعال كثيرة يفعلونها: ما مستندك؟ ما تجده
مرتبطا بالسنة
أما هؤلاء فمرتبطون بسنة النبي -صلى الله عليه وسلم-
الكاملة، لدغته
عقرب ارتقى، قال له ما: حملك على ذلك؟ قال: السنة، حديث
حدثناه، ماذا
حدثكم؟ فساق له بالإسناد إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه
قال: (لا رقية إلا من عين أو حمى) والمراد
بقوله: (لا رقية) أي: أجدى وأنفع.

(إلا
من عين أو حمى
) هذا فيه
مشروعية وجواز الرقية من العين والرقية
من الحمى، والعين تعرفونها، أن يصاب
الإنسان بماذا؟ بعين، ينظر إليه
نظرة شريرة، نظرة مؤذية فيصيبه بعينه،
فهذه تنفع فيها الرقية نفعا
عظيما، والحمى هي الموضوع الذي حصل لحصين،
الحمى هي السم الذي يكون
بسبب اللدغة، لدغة ذوات السموم.

فإذن حصين فعل الأمر وعنده الدليل عليه، وذكر
الدليل وساق
الدليل بسنده، ماذا قال له سعيد؟ قال له: "قد أحسن من
انتهى إلى ما قد
سمع". هذه والله هذه كلمة جميلة، لابد أن ننتبه لها
"قد أحسن من انتهى إلى
ما قد سمع" الآن سعيد أيده أم عارضه؟ أيده،
يقول: أحسنت، يقول: أحسن من
انتهيى إلى ما قد سمع، يعني: أنت سمعت شيئا
من السنة الثابتة عن النبي -صلى
الله عليه وسلم- فانتهيت إليه، يعني:
فعلته وعملته، وإذن من هو المحسن؟
الذي علم السنة وعمل بها هذا المحسن،
وهذا واضح "أحسن من انتهى إلى ما قد
سمع" يعني: سمع السنة وعمل بها
هذا هو المحسن.

طيب إذا كان هذا هو المحسن فمن المسيء؟ المسيء شخصان: شخص
لم
يتعلم السنة أصلا ولا اهتم بها ولا اعتنى بدراستها هذا مسيء، وآخر أيضا
هو
مسيء علم بالسنة ولم يعمل بها هذا أيضا مسيء، ومن المحسن؟ من انتهى إلى
ما
قد سمع، يعني: سمع وعمل، سعيد بن جبير لما ايده على صنيعه ذكر له أمرا
آخر
في الباب قال: ولكن حدثنا ابن عباس ..... وذكر هذا السياق الطويل الذي
فيه
الشاهد للترجمة.
هو نفسه الذي لدغ؟

لا، الآن الذي لدغ حصين،
وسعيد بن جبير هو الذي يحاوره،
والمجلس مجلس سعيد بن جبير.
الذي
ذكر الحديث هذا ابن عباس؟



حديث ابن عباس ذكره سعيد
امتدادا للموضوع، الآن حصين لدغ
واستدل بحديث بريدة، وقال له سعيد بن
جبير: أحسنت أنت فعلت الأمر بالدليل،
لكن -يقول سعيد- ولكن حدثنا ابن
عباس -رضي الله تعالى عنهما- فالآن سيروي
شيئا لا يعارض ما سبق، وإنما
يروي شيئا فيه رتبة عالية ودرجة، رفيعة درجة
محققي التوحيد -فقال حدثنا
ابن عباس عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه
قال: (عرضت علي الأمم) وهذا العرض قيل: إنه
في المنام
كما أشار إلى ذلك الحافظ في فتح الباري وغيره من أهل العلم (عرضت علي الأمم فرأت النبي ومعه الرجل، والنبي ومعه
الرجلان،
والنبي وليس معه أحد
) سبحان الله، يأتي نبي يوم القيامة
ولم
يتبعه أحد اتبعه!!! ومعلوم أن الأنبياء وفوا في البلاغ أو لا ؟ وفوا في
البلاغ، لكن يأتي بعض الأنبياء ما اتبعه أحد، ويأتي بعضهم اتبعه رجل
واتبعه
رجلان؛ ولهذا على الإنسان ألا يأسى وألا ييأس إذا عملت عملا دعويا
صحيحا
موافقا للسنة حتى ولو لم يتبعك أحد لا ضير عليك، لكن عليك أن تسير
على
المنهاج الصحيح في الدعوة إلى الله -سبحانه وتعالى- ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللهِ عَلَى بَصِيرَةٍ
[يوسف: 108] (ثم رفع إليّ سواد عظيم فقلت: هؤلاء
قومي؟
فقيل هذا موسى وقومه، ثم رفع إلى سواد فقيل: هؤلاء قومك وفيهم سبعون
ألف
يدخلون الجنة بدون حساب ولا عذاب
).

نكمل
الحديث: (ثم
نهض فدخل منزله فخاض الناس في
أولئك
)


الآن النبي -عليه الصلاة والسلام- لما ذكر للصحابة
أن سبعين
ألف يدخلون الجنة بدون حساب، سبعين ألف يدخلون الجنة من أمته
بدون حساب
ولا عذاب، يعني: دخولا أوليا لا يدخلون النار وإنما إلى
الجنة مباشرة،
سبعين ألف، وقد جاء في رواية جود إسنادها الحافظ ابن حجر
وغيره من أهل
العلم أنه -عليه الصلاة والسلام- استزاد الله، يعني: طلب
منه الزيادة،
فزاده مع كل ألف سبعين ألف. إذا أردت أن تعرف عددهم ماذا
تفعل؟ تضرب مع كل
ألف سبعين ألف، هي كم ألف الآن؟ فإذن تضرب سبعين في
سبعين ألف، فهذا عدد من
يدخل نسأل الله الكريم من فضله.

فالصحابة -رضي الله تعالى
عنهم- لما سمعوا هذا الأمر ودخل
النبي -صلى الله عليه وسلم- الصحابة
خاضوا فيهم، الخوض هنا سيكون طبيعته
ماذا؟
الحوار
لكن متجه إلى ماذا؟

إلى طلب الله أن يكون: مَن السبعين
ألف


من هم هؤلاء؟ ما
صفتهم؟ هذا الاتجاه الآن سبعين ألف يدخلون
الجنة بدون حساب من هم؟ ما
صفاتهم؟ فالصحابة خاضوا فيهم يحاولون معرفة
الصفات، انظر ماذا قال
الصحابة، بعضهم قالوا: لعلهم الذين صحبوا رسول الله
-صلى الله عليه
وسلم- بعضهم قالوا: لعلهم الذين ولدوا في الإسلام.
هذه الإجابات التي جاءت
منهم والتوقعات انبنت على شيء مهم
يدل على فقه الصحابة ما هو؟
انتبهوا للسؤال مرة ثانية
إجاباتهم بعضهم قال: لعلهم الذين
صحبوا محمدا -صلى الله عليه وسلم-
بعضهم قال: لعلهم الذين ولدوا في
الإسلام. هذه الإجابات تدل على فقه
هؤلاء في توقعاتهم وإجاباتهم اتجهوا إلى
ذكر أعمال وخصال خير نال بها
هؤلاء هذه الدرجة العالية، فقال بعضهم: لعلهم
الذين صحبوا محمدا -صلى
الله عليه وسلم- أي: نالوا ذلك الفضل بسبب الصحبة
وهي عمل صالح،
والآخرون قالوا: لعلهم ولدوا في الإسلام، النشأة من أول
الأمر على طاعة
الله هذا عمل صالح، فإذن كل أجوبتهم اتجهت إلى الأعمال
وأخذوا يبحثون
عن أكبر الأعمال، فخاضوا فيها فجاء النبي -صلى الله عليه
وسلم- وذكر
لهم صفات هؤلاء قال: (هم الذين لا
يسترقون، ولا
يكتوون، ولا يتطيرون، وعلى ربهم يتوكلون
) كم صفة
ذكرناها؟ أربع
صفات ذكرها -عليه الصلاة والسلام- لهؤلاء الذين يدخلون الجنة
بدون حساب
ولا عذاب (لا يسترقون، ولا يكتوون، ولا
يتطيرون،
وعلى ربهم يتوكلون
).

إذن عندن الآن هذا الحديث وهذا الأثر بطوله الشاهد
منه
ماذا؟ هنا هذا هو الشاهد أن من صفات محققي التوحيد
هذه الصفات الأربعة
المذكورة في الحديث: (لا
يسترقون، ولا يكتوون،
ولا يتطيرون، وعلى ربهم يتوكلون
) (لا يسترقون)
أي: الرقية المعروفة، والسين للطلب،
أي: لا يطلبون من يرقيهم، ما يبحث
عمن يرقيه، إذا مرض أو مرض قريب له لا
يبحث عمن يرقيه لماذا؟ لأن في
الاسترقاء الطلب، سيكون هناك شيء من ميل
القلب للشخص الراقي، فهم من
تمام توكلهم لا يسترقون، وهنا ليس فيه أنه لا
يرقي نفسه نبينا -عليه
الصلاة والسلام- إمام المتوكلين رقى نفسه، وأيضا ليس
فيه منع من يرقيه
بدون طلب مثل لو أن إنسانا كان مريضا وزاره أحد من أهل
الفضل وبدأ
يرقيه هل يمنعه حتى يكون من السبعين أو لا يمنعه؟ ما يمنعه لأنه
ما حصل
منه طلب، فالحديث فيمن طلب (يسترقون)

أي: يطلبون من يرقيهم والسبب أن القلب يكون فيه شيء من الميل.

(ولا
يكتوون
) أيضا لا يطلب من
يكويه، والكي فيه شيء من الأذى
والتعذيب، لكن فيه فائدة كما جاء في
الحديث.

(ولا
يكتوون ولا يتطيرون
)
والتطير هو التشاؤم، وسيأتي عند المصنف
باب مستقل عن التطير.
(وعلى ربهم يتوكلون)
وهي
الصفة الجامعة لكل ما سبق كل ذلك بسبب تمام توكلهم على الله
-سبحانه
وتعالى- لما انتهى النبي -صلى الله عليه وسلم- من وصفهم بادر
الصحابي
الجليل عكاشة بن محصن -رضي الله تعالى عنه- وقال: يا رسول
الله، ادع الله
أن يجعلني منهم قال: أنت منهم. وهذا أيضا فيه علم من
علامات النبوة، فجاء
آخر وقال: يا رسول الله، ادع الله أن يجعلني منهم
فقال: سبقك بها عكاشة حتى
لا يستمر الأمر.

فهذا الحديث عظيم، وكما
أسلفت يصور لنا الحالة الجميلة
والحوارات الرائعة المبنية على أصول
وعلى أدب وعلى حسن الخلق وعلى ارتباط
بالدليل، والشاهد من الحديث واضح،
ولعلنا نكتفي بهذا القدر، والله تعالى
أعلم وصلى الله وسلم على نبينا
محمد وآله وصحبه وسلم.

بالنسبة لأجوبة الحلقة الماضية:
يقول: بالنسبة
لإجابة السؤال الأول قال الناظم:
العلم واليقين والقبول والانقياد فادر ما أقول
والصدق والإخلاص والمحبة
وفقك الله لما يحبه



لا، هذا ذكرناه في الحلقة الماضية، في اللقاء
السابق
المطلوب هو بيت واحد فقط، أما هذا فذكرناه في الدرس الماضي، وهو
ضمن أبيات
للشيخ حافظ حكمي يعدد فيها لكن المطلوب هو بيت واحد.


يقول البيت هو:
علمٌ يقينٌ
وإخلاصٌ
وصدقك معْ محبةٍ وانقيادٍ والقبول له



علمٌ يقينٌ وإخلاصٌ وصدقك معْ محبةٍ وانقيادٍ
والقبول له
هذه
السبعة اجتمعت في بيت واحد وهي شروط لا إله إلا الله:
علمٌ يقينٌ وإخلاصٌ وصدقك
معْ محبةٍ وانقيادٍ والقبول له
ذكروا الأدلة؟


نعم الأخ ذكر إجابة مرتبة لعلها تكون

إجابته شافية يقول:
العلم
قوله
تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ
إِلاَّ اللهُ

[محمد: 19] ذكر الشروط بالأدلة
ثانيا: اليقين قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا
الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ
وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ
يَرْتَابُو
﴾ [الحجرات: 15] .



لم يرتابوا أي أيقنوا ولم يشكوا.


ثالثا: الصدق قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَكُونُوا
مَعَ
الصَّادِقِينَ
﴾ [التوبة: 119].
رابعا: الإخلاص قوله تعالى ﴿قُلِ
اللهَ
أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَّهُ دِينِي
﴾ [الزمر : 14].
خامسا: القبول ﴿وَقَالُوا سَمِعْنَا
وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا
وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ
﴾ [البقرة:
285].
سادسا: الانقياد قوله
تعالى﴿وَمَنْ
أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ
وَجْهَهُ للهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ
وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ
حَنِيفً
﴾ [النساء: 125].
سابعا: المحبة قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ
آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا للهِ
﴾ [البقرة: 165].



إجابة ممتازة شكر الله له.

سؤال
حول قوله عند قول الرجل عندما
قال: ارتقيت معنى هذا أنه رقى نفسه ألا
يعارض هذا قول سعيد بن جبير عن ابن
عباس -رضي الله تعالى عنهما- أنه
قال: (ولا يسترقون)
فيدل قوله: (ولا يسترقون) أن هذا الرجل
ارتقى، أي: طلب
الرقية لأنه لو كان المقصود ارتقيت أي رقى نفسه فلا إشكال
فيه ما قول
الشيخ في هذه المسألة؟


السؤال واضح سعيد بن جبير لما سمع الجواب، أو
سمع قول حصين
ومستنده وهو قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: (لا
رقية إلا من عين أو حمى
) مستشهدا بها على
صنيعه وفعله قال له:
"أحسنت أحسن من انتهى إلى ما قد سمع" فهو عمل
بموجب الدليل، واستنادا إلى
الدليل "ارتقى" مستندا إلى هذا الدليل الذي
ذكر إسناده فيه إلى النبي -صلى
الله عليه وسلم- وسعيد أيده على صنيعه،
وليس هناك معارضة ولو كان هناك
معارضة لم يكن من سعيد تأييد له، وإنما
يقول له هذا معارض لكذا، لكنه قال
له: "أحسنت" أو "أحسن من انتهى إلى
ما قد سمع" ثم ساق له الدليل الآخر، وهو
يدل على مرتبة عالية في تحقيق
التوحيد وتكميله وهو عدم الاسترقاء.

هل
ورد في لفظ عن مسلم: (لا يرقون ولا يسترقون
وكيف تخرج هذه اللفظة: (لا يرقون

هذه اللفظة نعم وردت في
مسلم، وأهل العلم تكلموا عليها
ومنهم شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله
تعالى- في بعض مؤلفاته ذكر أن هذه
اللفظة منكرة وأن الصحيح الثابت: (لا يسترقون)
أما: (لا
يرقون
) فالراقي متفضل ومحسن،
والنبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (من استطاع منكم
أن ينفع أخاه فليفعل
) والنبي
-صلى الله عليه وسلم- أحسن إلى غير
واحد بالرقية، وكان يرقي المرضى،
وإذا أتى عند مريض رقاه، فالراقي محسن، و(لا يرقون)
هذه اللفظة غير صحيحة والصحيح (لا يسترقون)
وهذا نبه عليه جماعة من أهل العلم منهم
شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه
الله تعالى-.
هذا الدرس فيه الكلام عن تحقيق التوحيد، فأرغب من الإخوة
فيما
يتعلق بتحقيق التوحيد وما ذكر أهل العلم أن تحقيق التوحيد هو تصفيته
وتنقيته
من شوائب الشرك والبدع المعاصي -أرغب من الإخوة أن ينقلوا لنا كلام

ابن القيم في كتابه "الفوائد" في ذكره لهذه الأمور الثلاثة ووصفها
بالعوائق،
وابن القيم -رحمه الله تعالى- في كتابه "الفوائد" تحدث عن هذه
الثلاث
في موضعين من الكتاب: موضع تحت هذا العنوان "العوائق" وموضع جاء
ضمنا
فأنا أرغب من الإخوة أن يستعرضوا كتاب "الفوائد" وأن يستخرجوا منه
هذين
الموضعين في كلامه عن العوائق الثلاث الشرك والبدعة والمعصية؟
السؤال الثاني: أن يرجعوا
إلى تفسير الآية ﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ
وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ
وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ
﴾ عند
ابن كثير وأن ينقلوا لنا
كلام أهل العلم في معنى هذه الآية؟

نسأل الله -جل وعلا- أن
يبارك وأن يجعل هذا في ميزان حسنات
الجميع إنه سميع مجيب، وصلى الله
وسلم على النبي محمد -صلى الله عليه وسلم-
وعلى آله وصحبه أجمعين.
 الموضوع : دروس شرح كتاب التوحيد فضيلة الشيخ/ عبد الرزاق بن عبد المحسن العباد البدر  المصدر :منتديات تقى الإسلامية  الكاتب:  El Helalya

 توقيع العضو/ه:El Helalya

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

El Helalya
المؤسسة

المؤسسة
El Helalya


المشاركات :
22515


تاريخ التسجيل :
08/08/2008


الجنس :
انثى

البلد :
مصر

sms :
سبحان الله

ـــــــــــ


ــــــــــــــ


دروس شرح كتاب التوحيد فضيلة الشيخ/ عبد الرزاق بن عبد المحسن العباد البدر _
مُساهمةموضوع: رد: دروس شرح كتاب التوحيد فضيلة الشيخ/ عبد الرزاق بن عبد المحسن العباد البدر   دروس شرح كتاب التوحيد فضيلة الشيخ/ عبد الرزاق بن عبد المحسن العباد البدر Emptyالخميس 19 أغسطس 2010 - 18:50 

بسم الله الرحمن الرحيم

السلام
عليكم ورحمة الله وبركاته



التوحيد/
المستوى الثاني/ الدرس السادس

شرح
كتاب التوحيد

فضيلة
الشيخ/ عبد الرزاق بن عبد المحسن البدر


بسم الله الرحمن الرحيم،
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور
أنفسنا
وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له،
وأشهد
أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله
-صلى
الله عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين وسلم تسليما كثيرا- أما بعد،
ففي دراستنا لهذا الكتاب
المبارك "كتاب التوحيد" لشيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله-
أنهينا
أبوابا متعلقة بفضل التوحيد ومكانته وعظيم شأن تحقيقه، ثم بعد هذه
الأبواب
انتقل مصنف الكتاب -رحمه الله- إلى التحذير من ضد التوحيد وهو
الشرك
بالله، فعقد ترجمة عظيمة النفع عنوانها: "الخوف من الشرك" وهذا مطلب
جليل
لابد منه، فالمؤمن مطالب بمعرفة التوحيد وتحقيقه، ومعرفة الشرك والحذر
منه، ونستمع أولًا إلى ما ساقه المصنف -رحمه الله- ثم يأتي بعد ذلك
التعليق
بما ييسره الله -تبارك وتعالى-.
قال
الإمام محمد بن عبد
الوهاب -رحمه الله تعالى-: (باب
الخوف من الشرك،
وقول الله -عز وجل-: ﴿إِنَّ اللهَ
لاَ يَغْفِرُ
أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن
يَّشَاءُ

[النساء: 48]
)

قال المصنف -رحمه الله- (باب
الخوف من الشرك
) هذا الباب عقده المصنف
للتخويف من الشرك،
والتحذير منه، وبيان شدة خطورته، وعواقب الشرك الوخيمة،
وأضراره
الجثيمة على أهله وأصحابه في الدنيا والآخرة.
والخوف ضد الأمن، الخوف
ضد
الأمن، والخوف من الشرك هو أن يكون المؤمن ليس آمنا على نفسه منه، بل
يكون
خائفا فزعا حذرا، متقيا مبتعدا مجانبا، لا أن يكون آمنا مطمئنا، غير
خائف
وغير مبال وغير مكترث، فالمؤمن يأتي بالتوحيد والإيمان والعبادة وعنده
خوف، وغير المؤمن يقصر ولا يأتي بالعبادة وعنده أمن؛ ولهذا قال أحد السلف
وهو
الحسن البصري -رحمه الله- قال: «إن المؤمن جمع إحسانا وشفقة والمنافق
جمع
إساءة وأمنا » يسيء وهو آمن، والمؤمن يحسن وهو خائف، وقد مر معنا في
لقائنا
السابق وقول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ
يُؤْتُونَ
مَا آَتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ
رَاجِعُونَ
﴿60
﴾ [المؤمنون: 60] جاء
في
المسند الإمام أحمد أن عائشة -رضي الله عنها- قالت: (قلت
يا رسول الله، أهو الرجل يسرق ويزني ويقتل ويخاف أن
يعذب؟ هل هذا هو
معنى الآية؟ قال: لا يا ابنة الصديق، ولكنه الرجل يصلي
ويصوم ويتصدق
ويخاف ألا يقبل
) فإذن المؤمن مع إيمانه وتوحيده وطاعته
لله
-سبحانه وتعالى- ومحافظته على عبادة الله خائف ليس آمنا، وخلافا
المؤمن
مسيء ومضيع ومفرق ومهمل وفي الوقت نفسه آمن.
فإذن هذه الترجمة عظيمة
الشأن،
جليلة القدر، كبيرة الفائدة، الخوف من الشرك ، فيجب على كل مؤمن
موحد
عرف التوحيد وعرف الإيمان أن يكون خائفا من ضده.
والتوحيد ضده الشرك، فمن
عرف التوحيد وعرف فضله وعرف مكانته وعرف عظيم ثوابه يجب عليه في الوقت
نفسه
أن يكون خائفا من ضده.
والضد يظهر حسنه الضد
وبضدها تتميز الأشياء
والخوف من الشرك يتطلب
من
الخائف أن يعرف هذا الشيء الذي خاف منه، أليس كذلك؟ يتطلب من الخائف أن
يعرف
هذا الشيء الذي خاف منه، لأنه إن لم يعرفه ماذا يحدث؟ ربما وقع فيه
بسبب
جهله، ولهذا قيل: تعلم الشر لا للشـر ولكن لتوقيه، فإن من لم يعرف
الشر
من الناس يقع فيه.
أحد السلف يقول في هذا
المعنى كلمة جميلة جدًا، يقول: «كيف
يتقي من لا يدري ما يتقي» واضحة «كيف
يتقي من لا يدري ما يتقي»، يعني:
كيف يتقي الشرك مثلًا من لا يعرف ما هو
الشرك، وكيف يتقي الربا من لا
يعرف ما هو الربا وهكذا، فإذن الخوف من
الشرك، يتطلب من الخائف أن يعرف
الشرك ما هو، وما هي حقيقة الشرك حتى يكون
في حيطة وفي حذر وفي بعد
ومجانبة له، هذا أمر لابد منه؛ ولهذا جاء في صحيح
البخاري عن حذيفة بن
اليمان -رضي الله عنه- قال: (كان
أصحاب رسول
الله -صلى الله عليه وسلم- يسألونه عن الخير وكنت أسأله عن
الشر مخافته
)
الآن تجد أهل العلم قديمًا وحديثًا كتبوا مصنفات
بعنوان الكبائر، بهذا
العنوان، الذهبي -رحمه الله- له عنوان كتاب بهذا
العنوان مطبوع
ومتداول وشيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله- مصنف
كتاب
التوحيد له كتاب نافع مطبوع بعنوان الكبائر، ماذا يقولون في كتب
الكبائر؟
يقول الكبيرة الأولى كذا، والثانية كذا، والثالثة كذا إلى أن يعد
سبعين،
ثمانين أقل أو أكثر من الكبائر وكل كبيرة يذكرها بدليلها، ما فائدة
تعريف
الناس وتعريف طلاب العلم وتعريف المسلمين بالكبائر؟ اجتنابها، النبي
-صلى
الله عليه وسلم- قال: (اجتنبوا السبع الموبقات)
وعد سبع كبائر، وبدأ بالشرك، إذن لابد من معرفة الشرك ومعرفة كبائر الذنوب
من أجل ماذا؟ من أجل اتقائها والخوف منها والحذر فهذا نافع جدًا، ولهذا
قراءة
مثلًا عقوبة الربا، عقوبة الزنا عقوبة الغش عقوبة... كل هذه قراءتها
ومعرفة
أدلة تحريمها وما إلى ذلك هذا كله نافع للمسلم.
أعظم المحرمات وأكبر
الموبقات
الشرك بالله -سبحانه وتعالى- فإذا كنا مطالبين في كل محرم أن نكون
على
علم به ومعرفة به ومعرفة بخطورته فإنه يأتي في مقدمة ذلك الشرك،
ومعرفة
خطر الشرك وعقوبة الشرك وأن لا يكون الإنسان مستهينا بالأمر، بل
ينبغي
أن يعيش خائفا منه حذرا مجانبا مبتعدا عنه.
جاء في الأدب المفرد
للإمام
البخاري وغيره من كتب السنة أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (للشرك فيكم أخفى من دبيب النمل) والحديث ثابت (أخفى من دبيب النمل) الآن نحن جالسين الآن، لو مرت
نملة من تحتنا أو أكثر من نملة تدب على الأرض هل نشعر بها؟ لا، يقول (للشرك فيكم أخفى من دبيب النمل) فهذا يستدعي ماذا؟
يستدعي الحظر الخوف، ولا يكون الإنسان آمنا وغير خائف وغير مبالٍ بل يكون
خائفا،
وسيأتي معنا في هذه الترجمة أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر) يعني: أعظم أمر
أخافه
عليكم الشرك الأصغر، وسيأتي في حينه الكلام على بعض مضامينه
ودلالاته.
إذن لابد أن يكون
الإنسان
خائفا من الشرك، من الشرك الأكبر ومن الشرك الأصغر ويسأل الله
-سبحانه
وتعالى- دائمًا أن يعيذه منه، وأن يقيه من الوقوع فيه، وأن يسلمه.
تمام الحديث الذي ذكرت
لكم
في الأدب المفرد قال: (للشرك فيكم أخفى من دبيب
النمل،
ألا أدلكم على شيء إذا قلتموه أذهب الله عنكم قليل الشرك وكثيره؟
قالوا؟
بلى، قال: أن تقولوا: اللهم إنا نعوذ بك أن نشكر بك ونحن نعلم
ونستغفرك
لما لا نعلم
) وهذا دعاء عظيم جدًا، ومهم للغاية، وينبغي
على كل
مسلم أن يحافظ عليه، دائمًا يتعوذ بالله (اللهم
إنا نعوذ بك أن أشرك بك وأنا أعلم وأستغفرك لما لا أعلم
) قد يدخل
على
الإنسان شرك وخاصة الشرك الأصغر قد يتسلل إليه أخفى من دبيب النمل،
فالإنسان
دائمًا يتعوذ بالله؛ بل ثبت في السنة وهو أيضًا في الأدب المفرد
وغيره
أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان كل يوم يقول: بعد صلاة الصبح في
الصباح
وفي المساء كان يقول: (اللهم إني أعوذ بك من
الكفر
ومن الفقر وأعوذ بك من عذاب القبر
) فإذن التعوذ بالله من
الشرك
ومن الكفر هذا أمر مطلوب ولا يأمن الإنسان ولا يطمئن ولا يقول: أنا
لا
أخاف ولا أبالي، أو الأمر معروف عندي، لا؛ بل ينبغي أن يكون خائفا، وهذه
الترجمة عقدها المصنف -رحمه الله- لتبيين هذا الأمر والتحذيرمن الشرك
وبيان
وجوب الخوف منه، الخوف من الشرك واجب، يجب على كل مسلم أن يخاف من
الشرك،
وأن يكون على حذر من الشرك.
إذن الترجمة معقودة
لبيان الخوف من الشرك والخوف
كما عرفنا ضد الأمن، ما الأدلة على ذلك؟
وعرفنا أنها معقودة لوجوب
الخوف من الشرك، يجب على كل مسلم أن يخاف، فما
الأدلة على الخوف من
الشرك؟ أول ما ذكر دعاء إبراهيم الخليل -عليه السلام-
قال: وقول الله
تعالى: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن
نَّعْبُدَ
الأصْنَامَ
﴾ [إبراهيم: 35]، ماذا قال قبلها؟
قال
الخليل -عليه السلام- ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن
نَّعْبُدَ
الأصْنَامَ

قال الخليل -عليه
السلام- والخليل هذا من أوصاف
إبراهيم -عليه السلام- اتخذه الله خليلا،
والخلة أخص من المحبة وأعظم
من المحبة، اتخذه خليلا، واتخذ أيضًا نبينا
محمدا -عليه الصلاة
والسلام- خليلا ولهذا جاء في الحديث: (فإن الله
اتخذني خليلا كما اتخذ إبراهيم خليل
)
والخلة أخص وشأنها أعظم من
المحبة، البعض يقول عن نبينا -عليه الصلاة
والسلام- حبيب الله، الأمر
أعظم من هذا، خليل الله، هو -عليه الصلاة
والسلام- خليل الله، الخلة
أمرها أعظم (إن الله
اتخذني خليلا كما اتخذ
إبراهيم خليل
) إبراهيم خليل الرحمن، اقرأ
سيرته في القرآن ماذا
صنع، وجهاده وبلاءه الحسن وإمامته وفضله والآية التي
مرت معنا في درسنا
السابق ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ
أُمَّةً
قَانِتًا للهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴿120
﴾ [النحل: 120] واقرأ هنا هذا الإمام
الذي
كسر الأصنام بيده، وجادل المشركين وأقام عليهم الحجة وأبان لهم المحجة
وأوضح لهم السبيل يقول هنا في دعائه ﴿وَاجْنُبْنِي
وَبَنِيَّ
أَن نَّعْبُدَ الأصْنَامَ
﴾ [إبراهيم: 35] إبراهيم الخليل
-عليه
السلام- يقول في عائه: ﴿وَاجْنُبْنِي
وَبَنِيَّ
أَن نَّعْبُدَ الأصْنَامَ ﴿35
رَبِّ
إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ ﴿36

[إبراهيم: 35، 36] هذا فيه خوف من
الشرك أم ليس فيه؟ فيه خوف من الشرك
يسأل الله -سبحانه وتعالى- أن يجنبه
الأصنام، إبراهيم التيمي أحد أئمة
العلم والفضل من السلف يقول: "ومن يأمن
البلاء بعد إبراهيم" إذا كان
إمام الحنفاء إبراهيم الخليل -عليه السلام-
يقول في دعائه ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن
نَّعْبُدَ الأصْنَامَ

[إبراهيم: 35] ونبينا -عليه الصلاة والسلام-
ثبت عنه أنه يقول في كل
صباح وكل مساء: (الهم إني
أعوذ بك من الكفر
)
وكان -عليه الصلاة والسلام- يقول في دعائه: (يا
مقلب القلوب ثبت قليب على الإيمان
) بل قالت أم
سلمة زوجه -رضي
الله عنها- قالت: (كان أكثر دعاء
رسول الله -صلى
الله عليه وسلم-: يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك، قالت
فقلت له: يا
رسول الله، أو إن القلوب لتتقلب؟ قال: ما من قلب إلا هو بين
أصبعين من
أصابع الرحمن يقلبه كيف يشاء، فإن شاء أقامه وإن شاء أزاغه
)

إذن الواحد يخاف وأم لا يخاف؟ الله يقول في القرآن: ﴿أَفَمَنْ
زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا
فَإِنَّ اللهَ يُضِلُّ
مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ فَلاَ تَذْهَبْ
نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ
حَسَرَاتٍ
﴾ [فاطر: 8] فالإنسان يخاف ويسأل الله
الثبات: (يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك)
ويتعوذ
بالله من الشرك، ويتعوذ بالله من الكفر، يتعوذ بالله من النفاق،
وكل
ذلك جاءت به السنة الصحيحة عن نبينا -صلوات الله وسلامه عليه-.
انظر أنت في هذه الآية
الكريمة
إمام الحنفاء الذي كسر الأصنام بيده وجادل المشركين وأقام عليهم
الحجة
يدعو الله بهذه الدعوة العظيمة ﴿وَاجْنُبْنِي
وَبَنِيَّ
أَن نَّعْبُدَ الأصْنَامَ
﴾ [إبراهيم: 35] إذن المسلم يكون
خائف
ويسأل الله أن يجنبه عبادة الأصنام وأن يجنب بنيه، وأن يحفظ ذريته،
هذا
أمر في غاية الأهمية، أما أن يعيش الإنسان غير مبالٍ ولا مهتما، وغير
خائف
ويقول مثلًا: أنا أكبر من أني كذا، أو أنا أعظم من أني كذا، أو أن هذا
ما يكون لي، أو نحو ذلك.
بعضهم
يقول يا شيخ: لا
مبرر لأن أخاف

أو يقول: لا مبرر نعم،
أنا عرفت التوحيد ودرست
كذا وعرفت كذا، فهذا من الخطأ المؤمن يخاف ويحذر،
ويسأل الله -سبحانه
وتعالى- الثبات والإعانة والتوفيق والسداد، ويفوض أمره
إلى الله،
ويلتجئ إلى الله، وأيضًا يعرف يتعلم ويقرأ، يقرأ الآيات ويقرأ
الأحاديث
ويتعلم دينه ويتفقه فيه حتى يكون على علم، إذن هذه الدعوة ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الأصْنَامَ
[إبراهيم:
35] فيها فائدة أن المسلم يجب عليه أن يخاف من الشرك وأن يحذر
منه وأن
يتقيه.
ثم
تأمل مليا في قول
إمام الحنفاء -عليه الصلاة والسلام-: ﴿رَبِّ
إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ ﴿36

[إبراهيم: 35] من؟ الأصنام ﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ
أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ
﴿36

يا سبحان الله، لو تتفكر
في هذا الأمر تجد أمرا عجبا، تجد أذكياء في
العالم وبارعين في أشياء
كثيرة من أمور الدنيا وأشياء بارعين فيها لكن ضلته
الأصنام، أضلته
الأصنام تجده متعلقا بغير اللها ملتجئا إلى غير الله حتى
بأحجار أو مثل
حروز، أشياء سيتكلم عنها المصنف -رحمه الله- كلاما نافعا
مفيدا من
خلال الأدلة تجد كثيرا متورطين في هذه الضلالات وفي هذه الخذعبلات

والطرهات، مع أنك تجدهم أذكياء، في جوانب في أمور تتعلق بظواهر الحياة
الدنيا،
أذكياء جدًا، والله قال: ﴿يَعْلَمُونَ
ظَاهِرًا
مِّنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الآَخِرَةِ هُمْ
غَافِلُونَ ﴿7
﴾ [الروم: 7] عنده
ذكاء، عنده نباهة،
عنده انتباه لأشياء لكنه في غفلة عن هذا المطلب العظيم
أضلته الأصنام.
﴿رَبِّ
إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ ﴿36

[إبراهيم: 35] "كثيرًا" هنا ليس كل هؤلاء الكثير من العوام، وإنما فيهم
أذكياء
وفيهم أناس فيهم شيء من.. ولكن مع ذلك تورطوا، فالإنسان ينبغي أن
يلتجئ
إلى الله -سبحانه وتعالى-.
هنا الآن إذا عرفنا
الخوف من الشرك من خلال هذه
الآية من خلال ما سيأتي حقيقة توجد نقاط لابد
منها في تحقيق الخوف من
الشرك:
النقطة
الأولى: الامتثال
إلى الله، الالتجاء إلى الله وسؤال الله -سبحانه
وتعالى- بصدق، وخذ هذا
الالتجاء تعلمه من دعوة إمام الحنفاء ﴿وَاجْنُبْنِي
وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الأصْنَامَ ﴿35
رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا
مِّنَ النَّاسِ ﴿36
﴾ [إبراهيم: 35،
36] هذا التجاء إلى الله
-سبحانه وتعالى- ثم انظر اختيار إبراهيم
الخليل -عليه السلام- لكلمة
"اجنبني" هذا فيه أيضًا دقة وفقه في باب
الدعاء ﴿وَاجْنُبْنِي
وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ
الأصْنَامَ ﴿35

أي أكون أنا في
جانب والأصنام في جانب بعيد عني، لست مقاربا لها وإنما أنا
بعيد عنها ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ
الأصْنَامَ ﴿35
﴾ ما اكتفى بأن يقول:
اجعلني تاركا
لها وغير عابئ لا، اجنبني اجعلني في جاب بعيد عنها، فهذا
أيضًا فيه
الالتجاء إلى الله -سبحانه وتعالى- وتفويض الأمر إليه.
الأمر الثاني: مع
الالتجاء
إلى الله -سبحانه وتعالى- وتفويض الأمر إليه أن تعرف ما هو الشرك،
وأن
تعرف خطورة الشرك، وأن تجاهد نفسك على البعد عنه، والحذر من الوقوع
فيه
تبذل الأسباب قال: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن
نَّعْبُدَ
الأصْنَامَ ﴿35﴾ رَبِّ إِنَّهُنَّ
أَضْلَلْنَ
كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ ﴿36


[إبراهيم: 35، 36] إذن هذه الآية دلالتها للترجمة واضحة، الترجمة في الخوف
من الشرك والآية واضحة في الخوف من الشرك، إذا كان إمام الحنفاء -عليه
السلام-
يدعو بهذه الدعوة المباركة الميمونة فمن يأمن البلاء بعد إبراهيم
كما
قال ذلك إبراهيم التيمي -رحمه الله-؟
قال
المصنف -رحمه
الله-: (وفي الحديث: (أخوف ما
أخاف عليكم الشرك الأصغر فسئل عنه فقال: الرياء
)
)
.
قبل هذا الحديث أظن
المصنف
ذكر آية؟
ذكرها
يا شيخ الآية التي ذكرتموها قال الخليل -عليه
السلام- ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ
الأصْنَامَ ﴿35

لا توجد آية قبلها ﴿إِنَّ اللهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ﴾؟
أي
نعم أول الباب يعني؟

بعد ﴿وَاجْنُبْنِي﴾؟
أول
الباب ﴿إِنَّ اللهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ
وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَّشَاءُ
﴾ بعد ذلك قول الخليل،
قال
الخليل: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ
الأصْنَامَ
﴿35
.
إذن هذه ما قرأتها؟
لا..
أنت يا شيخ ذكرتها أثناء الشرح هذه الآية

أي نعم، هذه بدأ بها ﴿إِنَّ اللهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ﴾، المصنف
-رحمه
الله- لما عقد هذه الترجمة ذكر آيتين في الخوف من الشرك:
الآية الأولى: ﴿إِنَّ اللهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ
مَا
دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَّشَاءُ
﴾ [النساء: 48].
الآية الثانية: قول الله
تعالى: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ
الأصْنَامَ

[إبراهيم: 35].
مضى معنا الكلام على
قوله: ﴿وَاجْنُبْنِي
وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ
الأصْنَامَ
﴾ [إبراهيم: 35] لكن قبل
هذا قول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ لاَ يَغْفِرُ أَن
يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ
مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَّشَاءُ

[النساء: 48] هذه الآية أيضًا
عظيمة جدًا في الخوف من الشرك ؛ لأن الله
-عز وجل- توعد المشرك بأن لا يغفر
له ﴿إِنَّ
اللهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ
وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ
لِمَن يَّشَاءُ
﴾ [النساء: 48] توعد
المشرك بأن لا يغفر له.
﴿إِنَّ
اللهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ
﴾ هل المراد بقوله ﴿إِنَّ اللهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ﴾ هل
المراد
من تاب؟ أو من مات؟ من مات، لكن من أشرك وتاب ﴿وَالَّذِينَ
لاَ يَدْعُونَ مَعَ اللهِ إِلَهًا آخَرَ وَلاَ
يَقْتُلُونَ النَّفْسَ
الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَلاَ
يَزْنُونَ وَمَن
يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا ﴿68

يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا
﴿69﴾ إِلاَّ مَن تَابَ ﴿70
﴾ [الفرقان: 68- 70] إذن الذي يتوب من
الشرك
يتوب الله عليه، إذن قوله: ﴿إِنَّ اللهَ لاَ
يَغْفِرُ
أَن يُشْرَكَ بِهِ
﴾ أي: من مات على الشرك، الذي يموت على
الشرك
حكمه أن الله لا يغفر له؛ بل يدخله النار ويخلده فيها أبد الآباد،
وقد
مرنا معنا في الدرس الماضي قول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ
كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لاَ يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا
وَلاَ
يُخَفَّفُ عَنْهُم مِّنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ ﴿36
﴾ [فاطر: 36] فهو يخلد في النار أبد
الآباد
لا يقضى عليه فيموت، ولا يخفف عنه من عذابها هذا جزاء كل كفور، إذن
هنا
قوله ﴿إِنَّ اللهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ
بِهِ

في حق من مات.
الآية التي في سورة
الزمر وهي قوله تعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ
الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى
أَنْفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ
اللهِ إِنَّ اللهَ يَغْفِرُ
الذُّنُوبَ جَمِيعً
﴾ [الزمر: 53] المراد
هنا من مات؟ أو من
تاب؟
في
الآية الثانية؟

الآية الثانية يقول: ﴿إِنَّ اللهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعً﴾ من مات؟
أو من تاب؟
من
تاب
.
إن كان أحد يقول من مات،
فكيف يجمع بينها وبين قوله: ﴿إِنَّ اللهَ لاَ
يَغْفِرُ
أَن يُشْرَكَ بِهِ
﴾ هنا يقول: ﴿يَغْفِرُ
الذُّنُوبَ جَمِيعً
﴾ إذن قوله في سورة النساء: ﴿إِنَّ اللهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ﴾ أي:
في
حق من مات، وقوله في سورة الزمر: ﴿إِنَّ اللهَ
يَغْفِرُ
الذُّنُوبَ جَمِيعً
﴾ أي: من تاب، من أين أخذنا من تاب؟
اقرأ
قبلها ﴿لاَ تَقْنَطُو﴾ هذه كلمة ﴿لاَ تَقْنَطُو﴾ تقال للميت أم للحي؟
بالتأكيد
للحي

لا تقال إلا لإنسان حي
يعمل يقال له: ﴿لاَ
تَقْنَطُو
﴾ لكن الذي مات
انتهى ما عنده مجال ليعمل، ليقنط ما
عنده مجال لشيء من هذا.
﴿لاَ
تَقْنَطُوا مِن
رَّحْمَةِ اللهِ
﴾ أي: توبوا ﴿إِنَّ
اللهَ
يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعً
﴾ بما فيها الشرك؟ نعم بما فيها
الشرك،
لأنها في حق من تاب، من تاب تاب الله عليه، ولو كان مشركًا لو كان
ملحدا
لو كان كافرًا لو كان منافقا أيا كان ﴿إِنَّ
اللهَ
يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعً
﴾ من تاب تاب الله عليه، لكن من
مات
على الشرك لا يغفر الله له ﴿إِنَّ اللهَ لاَ
يَغْفِرُ
أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَّشَاءُ

[النساء: 48].
إذن لو جاءكم سؤال ما
الجمع بين قوله ﴿إِنَّ
اللهَ لاَ يَغْفِرُ أَن
يُشْرَكَ بِهِ
﴾، وقوله ﴿إِنَّ اللهَ يَغْفِرُ
الذُّنُوبَ جَمِيعً
﴾؟
الجواب.
من
مات، يعني: من مات على شرك

الآية الآولى: ﴿إِنَّ اللهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ﴾ هذه
في
حق من مات على الشرك، والآية الثانية: ﴿إِنَّ
اللهَ
يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعً
﴾ في حق من تاب، لما ذكر التوبة
أطلق
الذنوب كلها، ولما كان الأمر في حق من مات، خص الشرك بأنه لا يغفر ﴿إِنَّ اللهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ
مَا
دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَّشَاءُ
﴾ [النساء: 48].
هنا يأتي سؤال يتعلق
بموضوعنا،
موضع الخوف من الشرك، إذا كان الله توعد المشرك بهذا التوعد ﴿إِنَّ اللهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ
[النساء:
48] وهذا جاء في موضعين من سورة النساء، في موضعين من سورة النساء
ذكر
ذلك -جل وعلا- ﴿إِنَّ اللهَ لاَ يَغْفِرُ أَن
يُشْرَكَ
بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَّشَاءُ

[النساء:
48].
إذا
كان الله -سبحانه
وتعالى- توعد المشرك بهذا التوعد أنه لا يغفر له، أي:
لا مطمع له أبدًا، في
مغفرة الله ورحمته إن مات على الشرك هذا ماذا
يحرك في القلوب؟ يحرك الخوف
وليس بين الإنسان وبين هذا الوعيد إلا أن
يموت، ولهذا سيأتي معنا (من مات وهو يشرك بالله
شيئًا دخل النار
) يعني:
النار قريبة من المشرك ليس بينه وبين
دخولها إلا الموت، يعني: ربما يكون
ليس بينه وبينها إلا ساعة واحدة،
ربما قد يكون موته بعد ساعة فلا يكون بينه
وبينها إلا ساعة واحدة، أو
ساعتين أو يوم أو يومين أو شهر (من مات وهو يشرك
بالله شيئًا دخل النار
) إذن هذا
يخوف الإنسان، يجعله يخاف من
هذا الداء الخطير والجرم العظيم الذي فيه هضم
للربوبية، وتنقص
للألوهية، وسوء ظن برب العالمين، هذا حال المشرك والعياذ
بالله، فوجب
الخوف من هذا الذنب الذي توعد صاحبه من بين الذنوب بهذا الوعيد
﴿إِنَّ اللهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ
وَيَغْفِرُ
مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَّشَاءُ
﴾ [النساء: 48].
﴿وَيَغْفِرُ
مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَّشَاءُ
﴾ هذا في حق من؟
في
حق التائب، الحي

التائب قلنا، سواءً كان
مشركًا أو غير مشرك
يتقبل الله عليه، لكن هنا في حق من مات، من مات على شيء
دون الشرك على
بعض الكبائر أو بعض الذنوب، الله -عز وجل- قال: ﴿وَيَغْفِرُ
مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَّشَاءُ
﴾ أي
أنه تحت مشيئة الله لأنه
قال: ﴿لِمَن يَّشَاءُ
فصاحب الكبيرة
التي دون الشرك تحت الميشئة ما معنى تحت المشيئة؟ إن شاء
عذبه وإن شاء
غفر له وإن عذبه فإنه لا يخلد في النار، ولهذا الآية فيها رد
قوله: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَّشَاءُ

فيها رد على الخوارج الذين يكفرون بكل ذنب، ويخلدون صاحب الكبيرة في
النار،
هذا كلام باطل لأن الله -جل وعلا- قال: ﴿وَيَغْفِرُ
مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَّشَاءُ
﴾ وأيضًا فيها رد على المعتزلة
الذين
يقولون أن مرتكب الكبيرة مخلد في النار يوم القيامة.
يذكرون أن أحد كبار
المعتزلة
مرة في مجلس, وعادتهم يأتون بشبه وأشياء عقلية يشوشون بها على
الحاضرين
أو على السامعين فهذا المعتزلي في المجلس قال: أنا يوم القيامة
سأقول
أن مرتكب الكبيرة مخلد في النار، فإذا قال لي الله: لماذا تقول هذا؟
سأقول:
أنت قلت ذلك، وجاء بعض الآيات التي فيها مثل قوله: ﴿وَمَن
يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ
جَهَنَّمُ

[النساء: 93] فكان في المجلس شاب صغير حتى ذكر أنه أصغر
من في المجلس
فرد عليه برد أفحمه وأسكته، قال له: فإن قال لك الله -جاراه
في أسلوبه-
قال له فإن قال لك الله: وأنا قلت في القرآن: ﴿إِنَّ
اللهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ
مَا دُونَ ذَلِكَ
لِمَن يَّشَاءُ
﴾ [النساء: 48] وقد شئت أن أغفر له،
ماذا تقول؟
فبهت. لأن الله -سبحانه وتعالى- جميع الذنوب جعلها تحت
المشيئة، إلا
الشرك توعد صاحبه بأنه لا يغفر، نحن الذي يعنينا هنا هو الخوف
من الشرك
ومعرفة خطره، وأنه الذنب الذي توعد الله -سبحانه وتعالى- صاحبه
بأن لا
يغفر، قال: ﴿إِنَّ اللهَ لاَ يَغْفِرُ أَن
يُشْرَكَ
بِهِ
﴾ فوجب على كل مسلم أن يكون خائفا حذرا مجانبا لهذا
الشرك
عارفا به سائلا الله -جل وعلا- أن يعيذه منه وأن يجنبه إياه، ثم بعد
هذا
ذكر المصنف -رحمه الله- الآية الكريمة التي فيها قول الخليل -عليه
السلام-:
﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ
الأصْنَامَ

[إبراهيم: 35].
قال
المصنف: (وفي
الحديث: (أخوف
ما أخاف عليكم الشرك الأصغر،
فسئل عنه فقال: الرياء
)
)


قال: (وفي الحديث) هذا الحديث المصنف -رحمه الله- لم يذكر
من خرجه وهو في المسند للإمام أحمد وغيره بإسناد جيد، قال الحافظ ابن حجر
في
بلوغ المرام إسناده جيد وأيضًا جود إسناده غير واحد من أهل العلم،
والحديث
له سياق اختصرها المصنف قال -عليه الصلاة والسلام-: (أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر، فسئل عنه فقال: الرياء)
ثم يأتي أيضًا في بقية الحديث في مصدره أن المرائي، يقول له الله -سبحانه
وتعالى-
يوم القيامة: اذهب إلى من عملت أو من رآيت لأجله اطلب ثوابك، اذهب
إليه
هل يحصل ثوابا، المرائي يوم القيامة هل يحصل ثوابا ممن رائى لأجلهم،
ممن
عمل لأجلهم لا يحصل ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ
مِنْ
أَخِيهِ ﴿34﴾ وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ ﴿35﴾ وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ ﴿36﴾ لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ
يُغْنِيهِ
﴿37
﴾ [عبس: 34- 37] ويفر
الرؤساء
من الأتباع، وكل يتبرأ من الآخر ﴿وَتَقَطَّعَتْ
بِهِمُ الأَسْبَابُ
﴾ [البقرة: 166] الأسباب أي: المودة، المودة
التي
كانت تجمعهم هذه كلها تتقطع، إلا الإخوة في الله، هذه باقية ﴿الأخِلاَّءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ
إِلاَّ
الْمُتَّقِينَ ﴿67
﴾ [الزخرف:
67].

إذن هنا
يقول: (أخوف ما أخاف عليكم) واضح المعنى أم
لا؟ (أخوف ما أخاف عليكم) أي: أشد شيء أخافه
عليكم الشرك
الأصغر، الكلام واضح، وأمامه خيار الصحابة، وأفاضل قال: (أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر).
هذا
يا شيخ الشرك الأصغر، فكيف الشرك الأكبر؟

فقال: (الشرك الأصغر، فسئل عنه فقال: الرياء) الرياء ما
هو؟
الرياء هو أن يقوم الإنسان بالعبادة ويزينها ويحسنها لا لله وإنما لنظر
رجل إليه، كما جاء في حديث آخر أن النبي -صلى الله عليه وسلم- دخل يومًا
على
الصحابة فوجهم يتذاكرون فتنة الدجال، فقال: (ألا
أخبركم بما هو أخوف عليكم عندي من فتنة المسيح الدجال؟ قلنا: بلى يا رسول
الله،
قال: الشرك الخفي، يقوم الرجل فيصلي فيزين صلاته لما يرى من نظر
الرجل
)
والرياء على نوعين:
الرياء الخالص، فهذا من
الشرك الأكبر، الرياء الخالص مثلما
قال الله عن المنافقين ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ
آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا
خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا
إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ
مُسْتَهْزِئُونَ ﴿14
﴾ [البقرة: 14]
الآية الآخرى قال: ﴿يُرَاءُونَ النَّاسَ
[النساء: 142] هذا رياء
خالص، وصاحبه في الدرك الأسفل من النار، كما قال
تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ
الأسْفَلِ مِنَ
النَّارِ
﴾ [النساء: 145].
ورياء أصغر الذي هو يسير
الرياء كأن يقوم
الإنسان بالعبادة وهو يقصد بها وجه الله، ثم يطرأ عليه
رياء يسير بأن
يزينها أو يحسنها من أجل نظر أحد إليه أو نحو ذلك، فهذا كان
يخافه
النبي -عليه الصلاة والسلام- على أمته، وأمر يتعلق بالقلوب، وهو
يحتاج
إلى معالجة ومجاهدة للنفس، الأوزاعي -رحمه الله- من أئمة السلف يقول:

ما عالجت شيئًا أشد علي من نيتي، النية تتفلت من الإنسان فيحتاج الأمر إلى
مجاهدة، أن يجاهد نفسه على الإخلاص لله والصدق مع الله وابتغاء الله
-سبحانه
وتعالى- بالعمل ويحذر من الرياء، وهذا ينبغي أن يكون مستديما مع
الإنسان
إلى أن يموت، المجاهدة هذه ينبغي أن تكون مستديمة ومستمرة مع
الإنسان
إلى أن يموت ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا
رَبُّنَا
اللهُ ثُمَّ اسْتَقَامُو
﴾ [فصلت: 30] الاستدامة على ذلك
إلى
الممات.
قال:
(أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر) وقوله
هنا: (الشرك الأصغر) هذا يدلنا على أن الشرك
نوعان: أكبر
وأصغر، وينبغي على كل واحد أن يعرف أن الشرك الأكبر والشرك
الأصغر بينهما
فرق في الحد والحكم، حد الشرك الأكبر -أي: ضابطه- يختلف
عن حد الشرك
الأصغر، وحكم الشرك الأكبر يختلف عن حكم الشرك الأصغر.
أما حد الشرك الأكبر فقد
مر معنا، تسوية غير الله بالله في شيء من خصائصه، سواءً في الربوبية أو
الألوهية
أو الأسماء أو الصفات، تسوية غير الله بالله هذا شرك أكبر وحكمه
ماذا؟
ناقل من الملة، وصاحبه كافر خارج من الدين، وعقوبته يوم القيامة
النار،
من وقع في الشرك الآن أو قديمًا الحكم واحد، والعقوبة واحدة ﴿أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِّنْ أُولَئِكُمْ أَمْ لَكُم
بَرَاءَةٌ
فِي الزُّبُرِ ﴿43

[القمر: 43]
الذي يقع فيه يعاقبه الله -سبحانه وتعالى- فهنا لاحظ الشرك
الأكبر
عرفنا حده وعرفنا عقوبته.
والشرك الأصغر هو ما جاء
في النصوص تسميته شركًا
وهو لا يصل إلى حد الشرك الأكبر، مثل شرك الألفاظ،
ومثل يسير الرياء،
مثل قول الرجل ما شاء الله وشئت، أو لولا كذا لكان كذا،
لولا البط
لأتانا اللصوص، سيأتي عند المصنف تراجم شارحه ومبينة لهذا
الأمر، وأريد
أن نعرف قيمة هذا الكتاب، المصنف -رحمه الله- لما عقد الخوف
من الشرك
من نصحه للناس عقد أبوابا كثيرة يعرف فيها بأفراد من الشرك الأكبر

وأبوابا أيضًا كثيرة بأفراد من الشرك الأصغر، حتى نكون حذرين من هذا وهذا،
ولهذا مواصلة قراءة هذا الكتاب والدراسة فيه وتعلم هذا نافع جدًا في معرفة
التوحيد ومعرفة ضده.
قال
المصنف -رحمه الله-: (وعن ابن مسعود -رضي الله عنه-
أن رسول الله -صلى الله
عليه وسلم- قال: (من مات
وهو يدعو من دون الله
ندا دخل النار
) رواه البخاري
)

ثم أورد المصنف في الخوف
من الشرك هذا الحديث حديث ابن مسعود وهو في صحيح البخاري أن النبي -صلى
الله
عليه وسلم- قال: (من مات وهو يدعو من دون الله
ندا
دخل النار
) هذا الحديث فيه تعريف بالشرك، أليس كذلك؟ الآن لو
قيل
لأحدكم مَثِّل أو عرف الشرك على ضوء الحديث؟ أن يدعو من دون الله ندا،
والدعاء
هنا يشمل دعاء العبادة ودعاء المسألة، الدعاء نوعان: دعاء عبادة
ودعاء
مسألة.
دعاء
العبادة يدخل تحت
كل طاعة، الصلاة، الصيام، الحج، الذكر كل هذا دعاء
مسألة؛ لأن من يقوم بها
يقوم بها وهو يرجو رحمة الله، ويطمع في ثوابه،
ويخاف من عقابه، ففيها طلب
من الله -سبحانه وتعالى-.
ودعاء المسألة هو هو
سؤاله
-سبحانه وتعالى- من خيري الدنيا والآخرة، فمن مات وهو يدعو من دون
الله
ندا دخل النار، أي: من مات وهو يصرف شيئا من العباة لغير الله دخل
النار،
فإذن المشرك كم بينه وبين النار؟ موته، بينه وبين النار موته، النار

قريبة؛ ولهذا فالمصنف -رحمه الله- في الفوائد المستفادة من الباب عد منها
قرب
الجنة والنار، الجنة قريبة والنار قريبة، وجمع بين قربهما في حديث واحد
كما سيأتي معنا في الحديث الذي يلي هذا الحديث.
إذن (من
مات وهو يدعو من دون الله ندا دخل النار
) أيضًا
هذا يوضح لنا
ما سبق أن العقوبة والتوعد في حال إيش؟ التوعد بعدم المغفرة
في حال؟ في
حال الموت، قال: (من مات وهو يدعو من دون
الله
ند
) ما معنى ندا؟ شريكا، مثيلا ﴿فَلاَ
تَجْعَلُوا
للهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ
﴾ [البقرة: 22]
يعني لا
تجعلوا لله شركاء في العبادة وأنتم تعلمون أنه لا خالق لكم غير
الله (من مات وهو يدعو من دون الله ندا دخل النار)

وحكمه فيها أنه مخلد فيها أبد الآباد، لا يقضى عليه فيموت ولا يخفف عنه من
عذابها.
ثم
ختم المصنف هذه
الترجمة بالحديث الأخير.
قال
المصنف -رحمه الله-: (ولمسلم عن جابر -رضي الله
عنه-
أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: (من
لقي
الله لا يشرك به شيئًا دخل الجنة، ومن لقيه يشرك به شيئًا دخل النار
)
)


ثم أورد
هذا الحديث حديث
جابر بن عبد الله -رضي الله عنهما- أن النبي -صلى الله
عليه وسلم- قال: (من مات وهو يشرك بالله شيئًا دخل
النار، ومن مات لا يشرك
بالله شيئًا دخل الجنة
) أأكد على
الفائدة السابقة وهي تعريف الشرك،
اجمع بين حديث جابر وحديث ابن مسعود،
حديث ابن مسعود: (من مات وهو يدعو من دون الله ندار
دخل النار
) وهنا:
(من مات وهو يشرك
بالله شيئًا دخل النار
) ما
هو الشرك؟ أن يدعو من دون الله ندا،
أن يجعل لله مساويا، في شيء من خصائصه
-سبحانه وتعالى- ولهذا يوم
القيامة إذا دخل الكفار نار جهنم، وندموا ولا
ينفع الندم، ماذا يقولون
معبرين عن ندمهم وهم في النار؟ وهو لا ينفعهم ماذا
يقولون؟ ﴿تَاللهِ إِن كُنَّا لَفِي ضَلاَلٍ
مُّبِينٍ ﴿97﴾ إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ
الْعَالَمِينَ ﴿98
﴾ [الشعراء: 97،
98] إذن الشرك
تسوية غير الله بالله، وأيضًا هو عدل غير الله به ﴿ثُمَّ
الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ

[الأنعام: 1]
يعني: يسون غيره به -سبحانه وتعالى- فمن سوى غير الله بالله
فهو مشرك،
سواءً في الربوبية أو الألوهية أو الأسماء والصفات؛ ولهذا كما
ذكرت في
درس ماضٍ أنه كما أن التوحيد ثلاثة أنواع فالشرك ثلاثة أنواع، لكل
نوع
من أنواع التوحيد ضد، فهناك شرك في الربوبية، وهناك شرك في الألوهية،
وهناك
شرك في الأسماء والصفات، وهنا قوله: (من مات
وهو
يدعوا من دون الله ند
) هذا يتعلق بالألوهية من صرف شيئًا من
العبادة
لغير الله فهو مشرك من أهل النار.
(من
مات وهو يشرك
بالله شيئًا دخل النار، ومن مات لا يشرك بالله شيئًا دخل
الجنة
)
هنا تأمل في قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: (ومن
مات لا يشرك بالله شيئًا دخل الجنة
) أنا أريد
حقيقة أن تقفوا
هنا وقفة وأيضًا تستذكرون ما بدأنا به درسنا هذا أو الدرس
الذي قبله،
الدرس الذي قبله (من مات لا يشرك بالله
شيئًا
دخل الجنة
) لا يخلو مَن لا يشرك بالله شيئًا من حالتين: إما
أنه
لا يشرك بالله شيئًا وهو بعيد عن المعاصي والكبائر ومحافظ على
الواجبات،
أو يكون لا يشرك وعنده بعض المعاصي، هل كلاهما يشمله الحديث
يشمله
قوله: (ومن مات لا يشرك بالله شيئًا دخل الجنة
مثل
الآية المقتصد والسابق بالخيرات

فهل يشملهم كلهم أو لا؟
الجواب
نعم يشملهم، الذي مات وهو لا يشرك بالله شيئًا، ومكمل للتوحيده،
ومكمل
لإيمانه، وبعيد عن الكبائر، ومحافظ على الواجبات هذا إلى الجنة
مباشرة،
بدون حساب ولا عذاب، ومن مات وهو لا يشرك بالله شيئًا لكن عنده بعض

الكبائر التي دون الشرك التي قال الله عنها في الآية التي هي في صدر هذا ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَّشَاءُ
[النساء:
48] هذا معرض للعذاب، معرض للعقوبة وإن عذب أكملوا؟ لا يخلد، وإن
عذب
لا يخلد، لأنه لا يخلد في النار إلا المشرك الكافر، أما من لا يشرك
بالله
شيئًا فهذا إن عذب فإنه لا يخلد؛ ولهذا دخول عصاة الموحدين للنار هو
ليس
كدحول الكفار، الكفار دخولهم للنار للعذاب الأبدي الدائم السرمدي
المستمر،
أما هؤلاء دخلوهم في الناء من أجل التطهير، يدخل ليطهر من ذنوبه،
أما
المشرك فالشرك ما تطهره النار، الشرك ما تطهره ولهذا يبقى فيها أبد
الآباد،
لكن المعاصي التي دون الشرك هذه إذا دخل صاحبها النار فإنه يعذب
فيها
تطهيرا وتنقية ثم من بعد ذلك يكون..... ولهذا جاء في الحديث في حديث
أبي
سعيد الخدري في صحيح البخاري ومسلم في ذكر صفة خروج أهل الكبائر من
النار
إذا دخلوها -نسأل الله العافية والسلامة- قال: (إن
النار تميتهم إماتة ويتفحمون فيه
) أهل الكبائر
يتفحمون يصبحون
قطعا من الفحم (يتفحمون وتميتهم
إماتة ثم يخرجون
ضبائر ضبائر
) يعني: جماعات جماعات، ولو سألتكم
لماذا يخرجون
جماعات جماعات؟ لماذا لا يخرجون دفعة واحدة أهل الكبائر؟ إيش
تقولون؟
ربما
تتفاوت كبائرهم
.
تتفاوت كبائرهم ليسوا هم
على درجة واحدة (فيخرجون ضبائر ضبائر) يعني:
جماعات جماعات
دفعات دفعات بحسب الكبائر، الأقل ثم الأكثر ثم الأكثر ثم
هكذا (ثم يلقون) كما جاء في الحديث وفي
الصحيحين (يلقون في نهر الفردوس في الجنة هذه القطع
المتفحمة
تلقى في نهر الفردوس، فيحيون بمائه يقول -عليه الصلاة والسلام-:
كما
تنبت الحبة في حميل السيل
) السيل إذا جاء للوادي وفيه حبوب
الوادي
حبوب، ماذا يصنع بها السيل؟ يحملها وتكون طافية عليه، ثم يطرحها على

جنبتيه، ثم تنبت، هذا يعرفه أهل البادية، يعرفون أنه توجد بذور في الوادي
والسيل
يحملها ويلقيها على جنبتيه فتنبت، لكن أنت والإنسان العادي إذا جاء
عند
الوادي ويشوف الأخضر ما يدري أن جاءت البذور هذه.
لكانت
أساسا مكان السيل، مجرى السيل

هي كانت في الوادي،
ولهذا أحد الصحابة لما
سمع هذا الحديث قال كلمة لطيفة قال: سبحان الله كأن
النبي -صلى الله
عليه وسلم- عاش في البادية؛ لأن هذه معلومة يرثها أهل
البادية، قال:
كأنه عاش في البادية، النبي -صلى الله عليه وسلم- يعطي أمثلة
لأن
الأمثلة تقرب المعاني تجعلها بمثابة الأشياء المحسوسة، فعلى كل هذا.
المسائل
يا شيخ التي ذكرت في آخر الباب هذه تذكرونها ضمن الشرح؟

المسائل نعم. لو كان نقف
معها مسألة مسألة وقتنا ما يسمح، لكن إن رأيت أن أدخل ما تيسر منها أو
كثير
منها في ضمن الشرح، وقد يمد بعض ذلك ويفوت ولكن لعلنا نكون نأتي على
جلها
في أثناء الشرح.
الأخ
الكريم من تبوك يقول: السلام
عليكم، الشرك في ترك الصلاة، لأنه يقول: (العهد الذي
بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر
)
يعني: لو أن إنسانا
مثلًا تارك الصلاة وهكذا ما الحكم أبغى الحكم؟ هل هو
شرك مخرج؟ كيف
أتعامل معه في تركه للصلاة؟ والإنسان متعمد لا يصلي؟

ما
حكم تارك الصلاة؟

الأخ الكريم سؤاله عن
تارك الصلاة ما حكمه،
وتعبيره في أول السؤال: الشرك بترك الصلاة غير دقيق،
وإنما السؤال
هكذا؟ ما حكم تارك الصلاة؟ وقد ذكر في سؤاله قول النبي -صلى
الله عليه
وسلم-: (العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة
فمن
تركها فقد كفر
) وهذا المعنى وهذا المعنى جاءت فيه أحاديث عديدة
منها
أيضًا ما في المسند بإسناد جيد أن الصلاة ذكرت يومًا عند النبي -صلى
الله
عليه وسلم- فقال: (من حافظ عليها كانت له نورًا
وبرهانا ونجاة يوم القيامة، ومن لم يحافظ عليها لم يكن له نور ولا برهان
ولا
نجاة يوم القيامة وحشر مع قارون وفرعون وهامان وأبي ابن خلف
)
أي:
أنه يحشر مع صناديد الكفر وأعمدة الباطل، وفي القرآن قال الله -عز وجل-
عن أهل النار قال: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ ﴿42﴾ قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ ﴿43﴾ [المدثر: 42، 43] ولهذا الصحيح أن تارك
الصلاة كافر، وهذا جاء مصرح به في غير ما حديث عن نبينا -صلى الله عليه
وسلم-
وجاءت أيضًا فيه آثار عن الصحابة وعن السلف الصالح -رحمهم الله-.
الأخت
الكريمة تقول: أسأل الشيخ عن حديث النفس، إذا الإنسان يحدث نفسه بمعصية،
هل
هذا يوقعه في الإثم؟

حديث النفس جاء جوابه في
الحديث أن النبي -صلى
الله عليه وسلم- قال: (إن
الله تجاوز عن أمتي ما
حدثت به أنفسها ما لم تقل أو تفعل
) فإذا كان
مجرد حديث نفس
فهذا لا يؤاخذ عليه العبد، وهو مطالب أن يطرده، وأن يتعوذ
بالله من شر
نفسه، ولكن مجرد حديث النفس فهذا لا يؤاخذ به العبد ولما نزل
قول الله
–تعالى-: ﴿للهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ
وَمَا فِي
الأَرْضِ وَإِن تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ
يُحَاسِبْكُمْ
بِهِ اللهُ
﴾ [البقرة: 284] الصحابة أتوا إلى النبي
-عليه
الصلاة والسلام- واس
 الموضوع : دروس شرح كتاب التوحيد فضيلة الشيخ/ عبد الرزاق بن عبد المحسن العباد البدر  المصدر :منتديات تقى الإسلامية  الكاتب:  El Helalya

 توقيع العضو/ه:El Helalya

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

abuahmad
عضـــو جـــديد

عضـــو جـــديد
abuahmad


المشاركات :
46


تاريخ التسجيل :
29/08/2010


الجنس :
ذكر

دروس شرح كتاب التوحيد فضيلة الشيخ/ عبد الرزاق بن عبد المحسن العباد البدر Caaaoa11دروس شرح كتاب التوحيد فضيلة الشيخ/ عبد الرزاق بن عبد المحسن العباد البدر Empty

دروس شرح كتاب التوحيد فضيلة الشيخ/ عبد الرزاق بن عبد المحسن العباد البدر _
مُساهمةموضوع: رد: دروس شرح كتاب التوحيد فضيلة الشيخ/ عبد الرزاق بن عبد المحسن العباد البدر   دروس شرح كتاب التوحيد فضيلة الشيخ/ عبد الرزاق بن عبد المحسن العباد البدر Emptyالأحد 5 سبتمبر 2010 - 20:34 

جز.اكى الله خيرا
 الموضوع : دروس شرح كتاب التوحيد فضيلة الشيخ/ عبد الرزاق بن عبد المحسن العباد البدر  المصدر :منتديات تقى الإسلامية  الكاتب:  abuahmad

 توقيع العضو/ه:abuahmad

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الجنه تناديني
الاشراف العام

الاشراف العام
الجنه تناديني


المشاركات :
9027


تاريخ التسجيل :
16/05/2010


الجنس :
انثى

دروس شرح كتاب التوحيد فضيلة الشيخ/ عبد الرزاق بن عبد المحسن العباد البدر Caaaoa11دروس شرح كتاب التوحيد فضيلة الشيخ/ عبد الرزاق بن عبد المحسن العباد البدر Empty

دروس شرح كتاب التوحيد فضيلة الشيخ/ عبد الرزاق بن عبد المحسن العباد البدر _
مُساهمةموضوع: رد: دروس شرح كتاب التوحيد فضيلة الشيخ/ عبد الرزاق بن عبد المحسن العباد البدر   دروس شرح كتاب التوحيد فضيلة الشيخ/ عبد الرزاق بن عبد المحسن العباد البدر Emptyالجمعة 24 يونيو 2011 - 14:39 

بارك الله فيكم
موضوع مميز ورائع
جعله الله فى ميزان حسناتك
نفع الله به كل من قرأه ونفع بكم المسلمين

وصلى الله وسلم على سيدنا محمد
 الموضوع : دروس شرح كتاب التوحيد فضيلة الشيخ/ عبد الرزاق بن عبد المحسن العباد البدر  المصدر :منتديات تقى الإسلامية  الكاتب:  الجنه تناديني

 توقيع العضو/ه:الجنه تناديني

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

واسلاماه
المراقبة العامة

المراقبة العامة
واسلاماه


المشاركات :
3822


تاريخ التسجيل :
23/06/2009


الجنس :
انثى

الحمدلله


دروس شرح كتاب التوحيد فضيلة الشيخ/ عبد الرزاق بن عبد المحسن العباد البدر _
مُساهمةموضوع: رد: دروس شرح كتاب التوحيد فضيلة الشيخ/ عبد الرزاق بن عبد المحسن العباد البدر   دروس شرح كتاب التوحيد فضيلة الشيخ/ عبد الرزاق بن عبد المحسن العباد البدر Emptyالجمعة 8 يوليو 2011 - 17:47 

جزاك الله خيرا أختي في الله
وبارك فيك وبمجهودك ونفع
واثابك وتقبـّل
اللهم آمين
دروس شرح كتاب التوحيد فضيلة الشيخ/ عبد الرزاق بن عبد المحسن العباد البدر 811480 دروس شرح كتاب التوحيد فضيلة الشيخ/ عبد الرزاق بن عبد المحسن العباد البدر 811480 دروس شرح كتاب التوحيد فضيلة الشيخ/ عبد الرزاق بن عبد المحسن العباد البدر 811480
 الموضوع : دروس شرح كتاب التوحيد فضيلة الشيخ/ عبد الرزاق بن عبد المحسن العباد البدر  المصدر :منتديات تقى الإسلامية  الكاتب:  واسلاماه

 توقيع العضو/ه:واسلاماه

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

أم فهد
عـضـو ذهبي

عـضـو ذهبي
أم فهد


المشاركات :
875


تاريخ التسجيل :
18/03/2011


الجنس :
انثى

دروس شرح كتاب التوحيد فضيلة الشيخ/ عبد الرزاق بن عبد المحسن العباد البدر Caaaoa11دروس شرح كتاب التوحيد فضيلة الشيخ/ عبد الرزاق بن عبد المحسن العباد البدر Empty

دروس شرح كتاب التوحيد فضيلة الشيخ/ عبد الرزاق بن عبد المحسن العباد البدر _
مُساهمةموضوع: رد: دروس شرح كتاب التوحيد فضيلة الشيخ/ عبد الرزاق بن عبد المحسن العباد البدر   دروس شرح كتاب التوحيد فضيلة الشيخ/ عبد الرزاق بن عبد المحسن العباد البدر Emptyالأربعاء 27 يوليو 2011 - 23:58 

جزاك ربي الجنه بغير حساب
ونفع بك
دروس شرح كتاب التوحيد فضيلة الشيخ/ عبد الرزاق بن عبد المحسن العباد البدر 569748
 الموضوع : دروس شرح كتاب التوحيد فضيلة الشيخ/ عبد الرزاق بن عبد المحسن العباد البدر  المصدر :منتديات تقى الإسلامية  الكاتب:  أم فهد

 توقيع العضو/ه:أم فهد

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

 

دروس شرح كتاب التوحيد فضيلة الشيخ/ عبد الرزاق بن عبد المحسن العباد البدر

استعرض الموضوع التالي استعرض الموضوع السابق الرجوع الى أعلى الصفحة 

مواضيع مماثلة

+
(( تذكر جيداً: يمنع وضع صورذوات الأرواح ويمنع الردود الخارجة عن الشريعه ويمنعالاشهار باى وسيلة والله شهيد ))
صفحة 1 من اصل 1

تذكر قول الله تعالى :{{ مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ }} سورة ق الآية 18


صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتديات تقى الإسلامية :: .:: المنتديات الشرعية ::. :: ملتقيات علوم الغاية :: عقيدة أهل السنة-